فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 27

إن طالب العلم طالب دينٍ وحق، يهمه الوصول إلى الحق، ومن دلائل صدقه أنه لا يُعنى أبدًا أَخَرَجَ الحق على لسانه أو على لسان غيره، حتى لو كان عدوه، وهذا ما جعل الإمام الشافعي يدعو ربه قبل أي مناظرة أن يَظْهَرَ الحقُّ على لسان خصمه!!

إن طالب العلم يتخذ من الاختلاف الفروعي سبيلًا حسنًا يدله على الحق والهدى، ويأخذ بيده إلى الراجح المنتخب من أقوال أهل العلم، شأنه كما قال الإمام الغزالي في كلامٍ بديعٍ قيم:

ينبغي للمخالف أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة، فلا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، بل يسر ويفرح لمن يسانده، ويرى رفيقه الذي يبحث معه معينًا لا خصمًا، حبيبًا لا عدوًا، بل يبالغ في شكره إذا ظهر الحق على يديه، وهكذا كانت مشاورات الصحابة - رضي الله عنهم -!

فهذه امرأة ردت على عمر - رضي الله عنه - في مسألة، وبينت له الحق وهو في ملأ من الناس يلقي خطبته، فهتف قائلًا: أصابت امرأة وأخطأ عمر [1] !!

وسأل رجلٌ عليًا - رضي الله عنه - مسألةً فأجابه، فقال: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال: لقد أصبت أنت وأخطأت أنا، وفوق كل ذي علمٍ عليم!!

يقول الدكتور نوار الشّلي:

أعرف باحثًا تخصص في عالمنا الإسلامي في موضوعٍ ما، وكان عارفًا بأدق تفصيلاته، وقد صدر له فيه مجموعةٌ من البحوث، ونشر فيه كُتبًا، حتى جاءت الشهادات بتبريزه في مجاله من أكثر من جهةٍ، وعلى أكثر من لسان، وحين استكتبت إحدى الجهات في موضوعه وتقدم بعناوين بحثيه رفض مشروعه، في الوقت الذي قبل عنوان مشابه لبحثه!!

وبقي الرفض قائمًا حتى تأكد صاحبنا أن هذا الصنيع ليس وراءه إلا الخلاف في الرأي، وقد كان من الممكن أن يكون لهم علمه، ويكون له أو عليه رأيه [2] .

إن طالب العلم بعد أن يبحث المسألة ويرجح رأيًا إن كان من أهل الترجيح؛ عليه ألا يقطع بصوابه وبخطأ غيره ويبدأ بالتجريح، بل الأكمل أن تُقَدِّرَ نسبةً من الخطأ ولو يسيرةً لفهمك وحكمك، ونسبةً ولو قليلةً من الصواب لمخالفك، إذ ليس لديك الدليل القاطع على صحة ترجيحك وخطأ ترجيحه.

قال ابن نجيم الحنفي:

(1) الغزالي / إحياء علوم الدين (1/ 44) .

(2) إصلاح الفكر الفقهي"رؤيةٌ معاصرة"ص (112) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت