فهرس الكتاب
ورحم الله يونس الصدفي تلميذ الشافعي إذ يقول: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة [1] ؟!!
عقَّب الشيخ محمد عوامة بقوله:
إنهما لم يتفقا في مسألة، بل اختلفا في كل مسألة، وما زال رحم العلم بينهما، فلا ينبغي أن يعكر الخلاف صفونا مع إخواننا [2] .
إن الشخص الذي يُصْدِر الحكم على مخالفه في منصب القضاء، فلا بد أن يتأيد حكمه بقيام البينة، وسماع قول المحكوم عليه منه مباشرة، أو من ينوب عنه كمصنفاته وأشرطته، فقد يقول المخالف قولًا ظاهره المخالفة، لكن بالعودة إلى عموم أقواله نجد ما يبين حقيقة مراده، وسلامته من المخالفة.
قال ابن تيمية في كلامٍ نفيس:
يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته وإرادته بذلك اللفظ، فهذا مما يستعان على معرفة مراده؛ فإن من التقصير البين نسبة الغلط إلى المتكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس، ثم يعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر ..
أما أخذ الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم، وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة، وبهذا لو تم حمل كلام المخالف على خلاف المعنى الذي عرف أنه يريده، بحيث يجعل كلامه متناقضًا، وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه؛ فإن هذا تحريفًا لكلامه عن موضعه، وتبديلًا لمقاصده، وكذبًا عليه [3] .
قلت: ما أنفس هذا الكلام من هذا الإمام!!
ويعلم الله تعالى لو أن طلبة العلم والحق صاروا إلى هذه الآداب لرأينا بركة العلم علينا، وعلى أهلينا، والناس من حولنا، ولحصلت لنا بركات من السماء والأرض، ولصرنا إخوة متآخين، هداة مهدين، بفضل الله رب العالمين.
(1) الذهبي / سير أعلام النبلاء (10/ 16) .
(2) محمد عوامة / أدب الاختلاف في مسائل الدنيا والدين ص (82) .
(3) ابن تيمية / الفتاوى الكبرى (4/ 301) الصارم المسلول (2/ 512) ، الجواب الصحيح (4/ 44) .