فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 27

إن المجتهد هو الذي ينظر إلى ما قال لا إلى من قال، فإن وجدته تنازعه إلى متابعة من له جلالة قدرٍ لا لأمرٍ سوى ذلك؛ فليعلم أنه قد بقي فيه عرقٌ من عروق العصبية، وشعبةٌ من شعب التقليد [1] !

ومن نفس المشكاة الذهبية قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي:

إننا نرجح ما ظهر لنا بالدليل من غير تعصب لمذهبٍ معين، ولا لقول قائلٍ معين؛ لأننا ننظر إلى القول لا إلى قائله، فمعلومٌ أن الحق حق ولو كان صاحبه حقيرًا، ألا ترى أن ملكة سبأ في حال كونها تسجد للشمس من دون الله هي وقومها لما قالت كلامًا حقًا صدقها الله فيه، ولم يكن كفرها مانعًا من تصديقها في الحق الذي قالته [2] ؟!!

وقد أعجبت بمقال ابن القيم لما بين خطأ الهروي بعد لم يتمكن من إيجاد تأويلٍ له، فقال:

شيخ الإسلام حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه، وقد أبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وقد أخطأ في هذا الباب لفظًا ومعنى، وإن كانت سيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله [3] !

أما صاحب القول؛ فأكتفي بإيراد ما قاله ابن حزم: اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوطٌ عن المجتهدين في الأحكام الشرعية [4] ، فكيف نؤاخذه نحن؟!

إن طالب العلم كناشد ضالة، يرجع شاكرًا لمن وجدها وأراحه من عناء البحث، وهذا ما كان عليه سلفنا الصالح.

قال ابن مهدي: كنا في جنازة فسألت العنبري عن مسألةٍ فغلط فيها، فقلت له: أصلحك الله أتقول فيه كذا وكذا؟ فأطرق رأسه ثم قال: إذًا أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذنبًا في الحق أحب إليَّ من أن أكون رأسا في الباطل [5] !

وقال عبد الرحمن بن وهب: سمعت عمي يقول: كنت عند مالك فسئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال ما

(1) الشوكاني / أدب الطلب (1/ 154)

(2) الشنقيطي / مقدمة أضواء البيان (1/ 6) .

(3) ابن القيم / مدارج السالكين (3/ 394) .

(4) ابن حزم / الإحكام في أصول القرآن (1/ 422) .

(5) ابن حجر / تهذيب التهذيب (7/ 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت