فهرس الكتاب
كنت ألحظ في أكثر المناظرات الفقهية بين طلبة العلم في الجامعة ودروس العلم أن المتعصب لرأيه المُخَطِّأ لغيره لا اطلاع له على أقوال العلماء في المسألة، وكثيرًا ما كنت أرى التهكم بأحد الأقوال وأنه مخالف للشريعة وهو قول جمهور الفقهاء، وأن القائلين به ثلاثة من الأئمة الأربعة مثلًا.
فلا ينبغي أن يتقن الطالب مذهبًا واحدًا فيتعامل معه كأنه إجماع الأمة ثم يقف في مواجهة أقوال الأئمة في المسألة، ولهذا أفتى العلماء بوجوب الاطلاع على أقوال العلماء إن كان ممن يشتغل بالفتيا.
قال الإمام أحمد: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي [1] .
وقال يحيى بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يُفْتِي، ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحب إليَّ.
وقالوا: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا باختلاف العلماء، ومن لم يعرف اختلاف العلماء لم يشم رائحة الفقه، وهو ليس من العلماء يقينًا.
ولعل من فوائد الاطلاع على أقوال العلماء أننا نزداد علمًا، ونعرف المسائل المتفق عليها من المختلف فيها، ونلتمس عندئذٍ العذر للمخالفين، ونبدد من تصرفاتنا التعصب المذهبي [2] ، فيقل الجدال بقلة الإنكار؛ ذلك أنه كلما زاد علم الرجل قل إنكاره كما في مقررات الحكماء!
وهذا ضابطٌ نفيسٌ جدًا.
قال ابن تيمية: إن لم يكن في المسألة سنةٌ ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ؛ فلا يُنْكَرُ على من عمل بها مجتهدًا، أو مقلدًا [3] .
وقال سفيان الثوري: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره؛ فلا تنهه [4] .
إن الإنكار يكون في المسائل القطعية التي أجمع عليها العلماء، وكذا المسائل التي تصادم النصوص الصريحة الصحيحة التي لا تتحمل وجوهًا عدة، وإن حملت فهي وجوهٌ شاذة، فهنا تنتصر لشرعك وتنكر مطمئنًا أنك حارس الشريعة، المؤتمن على الدين.
(1) ابن القيم / إعلام الموقعين (4/ 205) .
(2) عبد الله شعبان / ضوابط الاختلاف في ميزان السنة ص (135 - 140) .
(3) ابن تيمية / الفتاوى الكبرى (6/ 96) .
(4) الخطيب / الفقيه والمتفقه (2/ 69) .