فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 27

فينبغي أن يكون طلبة العلم وعموم المشايخ والفقهاء مصدقين لبعضهم في الدين، وقد قلنا في حقيقة الاختلاف: أن يسلك كل واحدٍ طريقًا غير التي يسلكها المخالف مع اتحاد المقصد، واتفاق المنشد، وتصديق طالب العلم لغيره يكون باحترام قوله، وعدم تزكية نفسه ..

وإذا سئل عن قول فلان اعتذر له، وأبان الحق، وتأول له، حتى يشعر المستمع كأن الشيخ المتكلم يدافع عن نفسه، فإن عجز طالب العلم أو العالم عن إيجاد تأويل لتصويب كلام الشيخ رد في قمة الأدب، كما مر بنا كلام ابن القيم في الشيخ الهروي وأنه لما لم يتمكن من الاعتذار له راح يقول: شيخ الإسلام حبيبنا، لكن الحق أحب إلينا منه، ثم قرر الصواب من القول!!

أما أن يزكي نفسه، ويتهم غيره، وأن أخطأ وضل وزل، والكلام كله في المسائل الاجتهادية والخلافية حتى نسقط المشايخ من أعين الناس فنجني على الشريعة والداعين إليها، فنكون من الأخسرين أعمالًا الذي يظنون أنهم يحسنون صنعًا، بل إن هذا الذي أسقط غيره سيخرج الله له من الناس من يسقطه أيضًا، ولن يثبت في الختام إلا الصادق المؤتمن على الدين، ولهذا قال الإمام الشعبي: إن هذا العلم لا يتقنه إلا صادق!

أما لو أخلص لله تعالى في أدبيات الخلاف، فإنه سيزيد المسلمين رسوخًا في دينهم، وزيادةً في علمهم، هذا وبالله التوفيق.

إذا أراد طالب الحق أن يناظر المخالف في المسائل الخلافية فعليه أن يتيقظ لفقه المآلات، لئلا يدخل في اختلاف يشوش على متفقٍ عليه، ولا بأس بعقد الموازنة عند ولوج بابه لتحديد الأولوية في الكلام أو عدمه؛ لنقدم أصلح المصلحتين، ونهجر أفسد المفسدتين، ولا بأس بتحمل الضرر الأدنى لدفع الأعلى، وكذا الضرر الخاص لدفع العام، وبهذا نغتفر المفسدة اليسيرة في سبيل جلب المصلحة الكبيرة، والمفسدة المؤقتة لنيل المصلحة الدائمة، وهذا من الفقه الذي سود ابن تيمية صفحات وصفحات في بيانه في مجموع فتاواه، ومن هذا قوله:

إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرمًا في الحقيقة وإن سمى ذلك ترك واجبٍ، وسمى هذا فعلًا محرمًا باعتبار الإطلاق لم يضر [1] .

قلت هذا؛ لئلا يؤدي الخلاف الذي مقصده الوصول إلى الحق إلى سبيلٍ منكرٍ يؤسس العداوة بين المسلمين، ويشوش على المسلمات بينهم، وهذا أمر جليلٌ لا يدركه كل إنسان، ولا يقرع بابه إلا من انفتحت له أبواب التوفيق، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] .

(1) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (20/ 57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت