فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 27

هي؟ فأخبرته بحديثها، قال: إن هذا الحديث حسنٌ، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك يُسأل فيأمر بتخليل الأصابع [1] !!

وأعاذني الله وإياك أن نكون ممن قال عنهم الغزالي:

انظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه؟ وكيف يخجل به؟ وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته؟ وكيف يذم من أفحمه طول عمره؟ [2] .

إن الحوار العلني كثيرًا ما يجعل أهله يُصرون على أقوالهم دون الانقياد للحق بعد وضوحه كشمس السماء، وهذا مما يعمق الخلاف، ويزرع البغضاء، وقد حذر الشوكاني من هذا بقوله:

وكثيرًا ما تجد من يبحث عن أدلةٍ تنصر قوله، حتى يجيء بالمتردية والنطيحة، وهو على علمٍ بأن الحق في الجانب الآخر، وهذا نوع من التعصب دقيق جدًا يقع فيه كثير من أهل الإنصاف، ولا سيما إذا كان بمحضر من الناس، وأنه لا يرجع المبطل إلى الحق إلا في أندر الأحوال، وغالب وقوع هذا في مجالس الدرس، ومجامع أهل العلم [3] .

مرت بنا وصية رويم لولده: إذا كان علمك وعملك ملحًا؛ فليكن أدبك دقيقًا؛ ذلك أن الأدب إن استقر في قلوب المخالفين تيسر وصولهم إلى الحق الذي يقصدوا، والراجح من أقوال أهل العلم الذي ينشدوا، أما إن فُقِدَ الأدب نفرت النفوس، وعميت القلوب، وخمدت الخواطر، وانسدت أبواب الفوائد [4] ، وهذا ما حذر منه الغزالي بكلماتٍ نفيساتٍ بقوله:

إن من آفات علماء السوء أنهم ينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء، فعندها يقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لنجحوا، لكنهم تعصبوا حتى وقعوا في شتيمة الخصوم، حتى صار التعصب لهم عادةً، ثم سموه ذبًا عن الدين، ونضالًا عن المسلمين، وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس [5] .

(1) الرازي / الجرح والتعديل (1/ 31) .

(2) الغزالي / إحياء علوم الدين (1/ 44) .

(3) الشوكاني / أدب الطلب (1/ 89) .

(4) ابن أمير الحاج / التقرير والتحبير (3/ 379) .

(5) الغزالي / إحياء علوم الدين (1/ 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت