إن الرد على المخالف أمرٌ دَرَجَ عليه العلماء من صدر الإسلام إلى اليوم، وهذا أمرٌ لا ذم فيه ولا لوم، لكن اللوم في التعدي، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمارات المنافق:"وإذا خاصم فجر"؛ ذلك أنه يفجر كي ينتصر، وربما نسب للمخالف ما لم يقل، وحمل كلامه ما لم يحتمل، وهذا صنيع المنافقين، حتى قال ابن المبارك كلمةً ما أبهاها وما أحلاها:
المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات!!
قلت:
تغشاني الكآبة أحيانًا ويعصف بي الأسف وأنا أرى بعض أهل الالتزام يطفح بالخصام، وتنهمر من لسانه سيول الذم والتشويه، بحجة النصح والتوجيه، ويعلم الله أني أصبت بالذهول من المستوى الذي يتكلم به بعض العلماء في أقرانهم، والذي لا يليق إطلاقًا بمنهج أهل الفضل والرحمة، ولا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ما كان لعانًا ولا طعانًا، ولا فاحشًا ولا بذيء.
واضطررت عندئذٍ أن أكتم ما قرأت، وأخفي ما سمعت، وأُبقى على ودي لهذه الأسماء اللامعة، على قاعدة: كلام الأقران يُطوى ولا يُروى!
اعتدنا في دراستنا الفقهية أن نحرر النزاع في كل مسألة بين يدي التفصيل فيها، وذلك ببيان مواطن الاتفاق، ثم مواطن الخلاف فيها، فنحن إن اختلفنا في المسائل الخلافية والاجتهادية؛ فعندنا من المسائل المتفق عليها والمجمع عليها ما يُوحدنا ويوفقنا.
ويعلم الله تعالى أن المرء إن سمع بعمر بن الخطاب وابن مسعود م وروعة الأخوة بينهما ليعجب أن بينهما اختلاف في مائة مسألة كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى.
وعند التأمل بين المختلفين في المسائل الاجتهادية والخلافية تجد أنهم يتفقون في أصول الدين وأركان الإيمان والإسلام، ومسائل الاتفاق والإجماع، وكثير من المسائل الفروعية فلا ينبغي أن نهجر بعضنا من أجل اختلاف الوسائل، وتباينٍ في بعض المسائل.
وقد شاء الله تعالى أن ألقي مجموعة من المحاضرات للنزلاء في السجن، وبعدما استمعت إلى عددٍ منهم صدح قلبي مرارًا: أين الدعاة إلى الله تعالى من هؤلاء الذي يحبون الإسلام، وينتظرون رجاله؟
ثم إني ألقيت عشرات المحاضرات لطلبة الثانوية في القضايا الشبابية الدقيقة، وهالني الكم الكبير من الرسائل الخطية التي ترجو منا أن نساعدهم في مشاكلهم، والمتابة من ذنوبهم، وأنهم لا يجدون من يأخذ بأيديهم إلى واحة الإيمان، ورحابة الإحسان، فصدح قلبي ثانيًا وثالثًا وألفًا: أين نحن من هؤلاء؟ وعندها