فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 27

فإذا كان هذا الوعيد لمن يبخسون الناس أشياءهم في المكاييل والموازين الحسية؛ فإن بخس الناس في حقوقهم المعنوية قد يكون أشد قبحًا، وأكثر إثمًا؛ كاحتقارهم وتنقيصهم، وجحد إنصافهم والعدل معهم، وعلى هؤلاء أن يتذكروا أنهم مبعوثون ليومٍ عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ولأجل هذا الإنصاف قال الإمام أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري لما سأله ابن طاهر عن الحاكم فقال: إمامٌ في الحديث، رافضي خبيث!

وزيادة في العدل والإنصاف عقب الإمام الذهبي على هذا بقوله: الله يحب الإنصاف، ليس برافضي ولكن شيعي فقط [1] !!

وفي زمن الإمام مالك كان من أشهر العلماء في المدينة عبد العزيز بن الماجشون، وتلميذه عبد العزيز بن أبي حازم، وكان لسان ابن الماجشون شديدًا على مالك، إلا أنه لما أراد السفر قال له تلميذه: قد علمت وُدِّي لك، وانقطاعي إلى ناحيتك، فأحب أن تأمرني برجل أتعلم منه وألزمه وأنت خارج المدينة، فقال له: ما أعلم أحدًا كمالك بن أنس!

فقال له: كيف تأمرني به وبيننا وبينه ما تعلم من التباعد، فقال له: إن كنت إنما تلزمه لنفسه فلا، ولا كرامة، وإن كنت تلزمه لنفسك لتنتفع في دينك وتتعلم منه؛ فالزمه [2] !!!

كلامٌ هام:

ولأجل هذا الضابط راح يتساءل الدكتور أبو أمامة نوار الشلي بقوله: هل يجرؤ أحدٌ اليوم أن يكتب في فضلِ المخالف له في الرأي؟!

ثم قال: إننا نجد في تراث سلفنا الصالح أنهم كانوا يعترفون بفضل من خالفهم في الرأي، بل يدعون لمخالفهم بطول البقاء وأن يمتعه الله ويمتع به إن كان حيًا، ويترحمون عليه إن كان ميتًا!

فهذا ابن البر يكتب في فضائل الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي وهو مالكي المذهب!

ولما وقع الناس في أبي حنيفة انبرى السيوطي للذبِّ عنه وكتب كتابه"تبييض الصحيفة بمناقب أبي حنيفة"والسيوطي شافعيُّ المذهب!

بل إن الشافعي نفسَهُ كان يقول لما ذكر الأحكام والسنن: العلم يدور على ثلاثةٍ: مالك بن أنس، وسفيان ابن عيينة، والليث بن سعد [3] !

(1) كان أئمتنا من الفقهاء والمحدثين يفرقون قديمًا بين الشيعة والرافضة، فقد كان الرافضة أشد شرًا؛ لأنهم كانوا يرفضون إمامة الشيخين أبي وعمر - رضي الله عنهما -، وغير ذلك، أما الشيعة فلم يكونوا كذلك، أما اليوم فأكثر الشيعة روافض، بل لو قال قائلٌ: هم وجهان لعملةٍ واحدة لما أبعد النجعة. والله أعلم.

(2) محمد عوامة / أدب الاختلاف في مسائل الدنيا والدين ص (99) .

(3) إصلاح الفكر الفقهي ص (113 - 114) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت