فكتاب بهذا الوصف، جدير بالدعاة استلهامه والاستعصام به على كل الأحوال وليوقنوا أنه مفتاح التغيير والتأثير، وأنه كافٍ في إحداث التحولات المجتمعية والاستراتيجية إذا حُمل بصدق وقوة، واتُخذ نبراسًا ومنارة للدعاة السائرين.
قال تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة.
ووعي الداعية لهذا المعنى، يجعله يشعر بعميق الاعتزاز والاستيثاق من نصر الله تعالى، لأنه يسير بوحي رباني، يتحدى الله به الخلق، وجعل فيه إشعاعات التأثير والجاذبية، بحيث لايمكن لكل مكذب ومعاند أن يحاربه، بل إن مشركي مكة لما سمعوه، خُطفت أبصارهم وخضعت نفوسهم، وسجدوا لله بغير تمنع كما صح بذلك الحديث، عندما تلا رسول الله سورة النجم (سجد المشركون والجن والإنس) كما في الصحيحين.
ولا يزال التحدي قائما بهذا القرآن العجيب إلى يوم القيامة، والدعاة بحاجة ماسة إلى تلاوته وتفسيره للناس، بطريقة عصرية، لأن تأثيره نافذ، وإعجازه آسر، ولايكاد يسمعه أحد إلا انقاد له، برهانًا من الله وحجة على خلقه.
الخطاب النبوي كان خطابًا منطقيًا في قضيته الأولى وهي التوحيد، وفي كونه يعزف على نقض العقيدة الوثنية عقلًا وحسًا، فالله خالق الخلق ورازقهم، ومن ثم فهو المستحق بالعبادة وهم يعترفون بذلك (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ من خلقهم لَيَقُولُنَّ الله)
قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)
ولم تأت الشريعة الإسلامية بمحالات العقول وإنما جاءت بمحارات العقول كما قال ابن تيمية وغيره.
وقد قال بعض الإصلاحيين المعاصرين إن (القرآن الكريم معجزة عقلية) وهذا بما قررناه صحيح مستقيم، وفي القرآن من الحجج العقلية، والبراهين التفكيرية مايجلي جوانب العقيدة والسلوك والاجتماع في حياة الإنسان.