يتخوف المناظرة في الغالب، يكون منقوصًا أمام الجماهير، ويزعزع ثقته في نفسه، واطمئنان الناس إليه، وقد قال تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)
أي بالعلم وحسن الترفق والعرض، فهو أسلوب دعوي قوي التأثير، وتكمن قوته في كونه سريع الانتشار، ويستقطب الجماهير، ويعلي من الحق المنتصر، ويوهن الأطراف المخالفة، ويحدث الاقتناع المجتمعي.
وهذا فرع الحكمة والعقلانية، حيث لا يمكن نثر كل البضاعة في وقت واحد، ولا مطالبة الناس فوق طاقاتهم، أو بكل شئ، أو بالوثبة السريعة!!
بل لابد من تأنٍ وتؤده، وتدرج واتزان، فيعزف الداعية على قضية واحدة، كالتوحيد مثلًا، وهي أصل الاستقامة الإنسانية، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اكتفى بالإصلاح العقدي في مكة , وترفق بالناس , ومنعهم من المواجهة , وتريث في سن الشرائع , وتوالي الأوامر والنواهى.
بل كان يسير على معراج متدرج بحيث يأسر الناس بدعوتة , ويجعل لهم مساحة في التفكير والقبول , إذ إن المجتمع الجاهلي منحرف عقائديًا، ولديه قيم جاهلية فاسدة، فلا يمكن زحزحة ذلك إلا بفن دعوي متدرج , يركز أولا على العقيدة، ويعتمد الحجة والعقل بالبرهان الواضح , ويأخذ الناس على فترات وفترات , ويعالج القضايا الجوهرية والمنكرات الكبرى أولًا , ثم يأتى إلى غيرها وما يليها , وإذا تأملنا (القرآن المكي) أى النازل في مكة قبل الهجرة , وجدنا أنه كان يركز كثيرًا على قضايا التوحيد , والعقيدة , واليوم الآخر , فيعلن استحقاق الباري تعالى للعبادة , ويثبت الساعة والبعث , وصفات الجنة والنار , ووجوب الإعداد لها , ويزدرى الأصنام والمعبودات المتخذة من دون الله تعالى , وأنها عديمة الجدوى والأثر
ويجلي صفات البارى وأسماءه الحسنى , ويذكر أخبار المكذبين من الأمم السابقة , وما انتهى إليه أمرهم من التدمير والفناء , (فأصبحوا لايرى إلا مساكنهم)