{هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} [1] ، تخلص /4 ب به من ذكر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، إلى ذكر الجنة وأهلها، للطول الحاصل في (أمَّا بعد) بالنسبة لاسم الإشارة، فترك الإتيان بها لِما فيها من التطويل، وأتى باسم الإشارة لِما فيها من الاقتصار، على ما عليه التعويل من التعليل.
الخامس: في أول مَن نطق بها، وقد أشار إليه بقوله: وأول مَن نطق بها من البلغاء آدم عليه السلام، قال تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [2] الآية، ومِن جملتها (أمَّا بعد) ، ولا يُقال: الكلام في الأوليَّة، لا في التعليم، على أنه لا يلزم من التعليم لشيء النطق به، فلا دلالة في الآية على المدَّعي، لأنَّا نقول: هو أبو البشر، وقد ثبت نطقه بجميع ما علّمه من الأسماء، بقوله تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} [3] الآية، فلزم أن يكون أول مَن نطق بها، وقيل: أول مَن نطق بها داود عليه السلام [4] ، لقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [5] ، وفصل الخطاب هو (أمَّا بعد) ، على ما سيأتي، وقيل يعقوب عليه السلام حين جاء مَلَك الموت، قال: (أمَّا بعد) ، فإنَّا أهل بيت موكل بنا البلاء [6] ، وقيل: قُس بن ساعدة [7] ، وقيل: كعب بن لؤي [8] ، وقيل:
(1) سورة ص 49
(2) البقرة 31، والآية بتمامها: [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] .
(3) البقرة 33، والآية بتمامها: [قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ] .
(4) قال جماعة منهم الامام الشعبي هي فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السلام،
يعنون بذلك تفسير قوله تعالى: (و شددنا ملكه و آتيناه الحكمة و فصل الخطاب.
(5) سورة ص، 20
(6) ورد في ذلك حديث ضعيف جاء فيه أن ملك الموت جاء ليعقوب عليه السلام فقال له يعقوب: أما بعد فأنا أهل بيت و كل بنا البلاء
(7) قُسْ بن ساعدة الإيادي - و كلمة قُس تقرأ بضم القاف و سكون السين و قس بن ساعدة يضرب به المثل في الخطاب، فيقال أخطب من قُس. و قيل إنه أول من كتب: من فلان الى فلان
و قيل إنه أول من خطب و هو مرتكز على عصا و أول من أقرّ بالبعث من غير سماع أي من غير نص او كتاب منزّل و قيل انه عاش 600 سنة
(8) كعب بن لؤي هذا هو الجدّ الثامن لنبينا صلى الله عليه و آله و سلم و قيل عنه أنه أول من سنّ الاجتماع يوم الجمعة، و كان اسمه يوم العروبة، فكانت قريش تجتمع اليه فيه فيخطبهم و يعظهم.