يخرج عنها إلا بدخول الجار عليه، نحو قَبْلُ وبعدُ، ولَدُنْ، وعِنْدَ، فيحكم عليهن بعدم التصرف، مع أن مِن تدخل عليهن، فلم تخرج عن الظرفية، إلا إلى حالة مشبهة لها، لأنَّ الظرف والجار والمجرور أَخَوَان. أ هـ.
الثاني: في / كونها ظرف زمان، أو مكان، وقد أشار إليه بقوله: هو 9 ب ظرف زماني كثيرا، إنْ أُضيف إلى زمان، نحو: صمتُ يومَ السبت بعدَ يومِ الجمعة، و ظرف مكاني قليلا، إنْ أُضيف إلى مكان، نحو: دارُ زيدٍ بعدَ دارِ عمروٍ، ويصح اعتبارهما في الواقع في صدر الكتب، فهو زماني باعتبار زمن النطق، ومكاني باعتبار مكان الرقم.
الثالث: في حكمه من حيث الإعراب والبناء، وقد أشار إليه بقوله: يُعرَب ذلك الظرف نصبا على الظرفية، أو جرًّا بمِن خاصة تارةً بلا تنوين إذا ذُكِر المضاف إليه، أو حُذِف ونُوي لفظه، وبتنوين إذا حُذِف، ولم يُنوَ شيء، قال الله تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [1] ، و {مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} [2] ، وقُرئ [3] {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِ} [4] بالجر من غير تنوين، والأصل من بعد الغَلَب، فحُذف المضاف إليه، ونُوي لفظه، قال الشاعر [5] :
ونحنُ قَتلنا الأزدَ أزدَ شَنُوءَةٍ ... فما شَرِبوا بَعْدًا عَلى لذةٍ خَمْرا
وقُرئ {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلٍ وَمِنْ بَعْدٍ} بالجر والتنوين؛ لعدم نيّة شيء، وهي في الحالتين الأوليين مُعرَّفة بالإضافة لفظًا أو تقديرا، وفي الحالة الثالثة نكرة؛ لعدم الإضافة، ولذلك نُوِّنت، ويُبني ذلك الظرف على الضم
(1) الجاثية 6
(2) القصص 43
(3) قراءة الجحدري، والعقيلي بالجر من غير تنوين. انظر التعقيبات على شرح ابن هشام على شذور الذهب.
(4) الروم 4
(5) البيت من الطويل، وقد ذكره البغدادي في خزانة الأدب 6/ 501 ـ 510، وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد الأربعمائة، وقال: والبيت الشاهد لم أر من عزاه إلى قائله، وقبله:
ما من أناسٍ بين مصرَ وعالجٍ ... وأبْيَنَ إلا قد تركنا لهم وِتْرا
على أنه يجوز بقلة في هذه الظروف أن يعوض التنوين من المضاف إليه فيعرب، كما أعرب بعدًا في البيت على الظرفية، والكثير البناء على الضم؛ إذ المختار أن المبني على الضم والمنون لا فرق بينهما في المعنى، وإنهما مقطوعان عن الإضافة. فإن لم يبدل التنوين من المضاف إليه بني على الضم لما ذكره، وإن أبدل عنه كان معربًا بالنصب على الظرفية. وقد ينون المبني على الضم في الضرورة. وقد روى: فما شربوا بعدٌ أيضًا بضمتين. فالأول معرب وهذا مبني وكلاهما معرفة، إذ المضموم بنية الإضافة إلى معرفة.
خزانة الأدب 6/ 501