الصفحة 14 من 29

بخلاف الاقتضاب الخالص، فالتخلُّص الانتقال من الافتتاح إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهما، كقوله [1] :

أَمَطلَعَ الشَمسِ تَبغِي أَن تَؤُمَّ بِنا ... فَقُلتُ كَلّا وَلَكِن مَطلِعَ الجودِ

فبينهما من المناسبة والملاءمة ما لا يخفى، إذ كل منهما محل لظهور ما به كمال الانتفاع، والاقتضاب الخالص: الانتقال من الافتتاح إلى المقصود فجأة، أي من غير فاصل، بلا ملاءمة بينهما، كقوله [2] :

لَو رَأى اللَهُ أَنَّ لِلشَيبِ فَضلًا ... جاوَرَتهُ الأَبرارُ في الخُلدِ شيبا

كُلَّ يَومٍ تُبدي صُروفُ اللَيالي ... خُلُقًا مِن أَبي سَعيدٍ غريبا

إذ لا ملاءمة بين علم الله الخير في الشيب وإبداء صروف الليالي الخُلُق من أبي سعيد، والاقتضاب القريب من التخلص: الانتقال من الافتتاح إلى المقصود، مع نوع من المناسبة، وشيء من الملاءمة، كقول المؤلفين في أثناء الخطب: (أمَّا بعد) ، حيث انتقل / من الحمد 5 ب وما بعده إلى كلام آخر، من غير ملاءمة، فهو من الاقتضاب، لكنه يقرُب من التخلّص، من حيث أنه لم يُؤت به فجأة من غير نوع من الارتباط؛ لأنَّ ما بعده له تعلّق وارتباط بما قبله من حيث الترقب والتوقف، لأنّ أمَّا فيها معنى الشرط المفيد لذلك، قال صاحب التلخيص [3] ، ومنه، أي من الاقتضاب ما يقرُب من التخلص، كقولك بعد حمد الله: (أمَّا بعد) [4] .

(1) من البسيط، لآبي تمام: حبيب بن أوس بن الحارث الطائي (188 ـ 231 هـ) ، وقبله:

يَقولُ في قومَسٍ صَحبي وَقَد أَخَذَت ... مِنّا السُرى وَخُطا المَهرِيَّةِ القودِ

ديوانه، الموسوعة الشعرية، وفيه: تنوي أن تؤم بنا ...

(2) من الخفيف، لأبي تمام، ديوانه، الموسوعة الشعرية. وفيه: خلقا من أبي سعيد رغيبا.

(3) هو الإمام جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، وكتابه التلخيص في علوم البلاغة هو إيضاح وتجريد للقسم الثالث من كتاب مفتاح العلوم الذي صنفه أبو يعقوب يوسف السكاكي، لخصه الخطيب القزويني، وأطلق عليه اسم: تلخيص المفتاح.

(4) التلخيص في علوم البلاغة، ص 434

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت