الصفحة 16 من 29

الغرض المسوق له الكلام دائما أي في جميع مواردها راجعٌ للأمور الثلاثة كما مرّ، والتفصيل لمجملٍ قبلها غالبًا، لا دائما عند الجمهور، بدليل استقراء مواقعها، نحو: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ} [1] ، و {أ َمَّا السَّفِينَةُ} [2] ، {وَأَمَّا الْغُلَامُ} [3] ، {وَأَمَّا الْجِدَارُ} [4] الآيات، وقد يُترك تكرارها / استغناءً بذكر أحد القسمين عن الآخر،6 أ أو بكلام يُذكر بعدها، فالأول نحو: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} [5] ، وقسيمه في المعنى وأمَّا الذين كفروا فلهم كذا وكذا، حذف استغناء بالأول، والثاني نحو {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [6] الآية، وقسيمه في المعنى قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [7] الآية، فالوقف دونه، والمعنى: وأمَّا الراسخون فيقولون، بناءً على أنّ المراد بالمتشابه، ما استأثر الله بعلمه، وقد تأتي لمجرد التأكيد، نحو أمَّا زيد فمنطلق، ومنه قولهم في صدر الكتب والرسائل: (أمَّا بعد) .

وذهب بعضهم إلى أنها للتفصيل دائما، وأجاب على المثال السابق بأنّ التفصيل مُقدّر، والتقدير: جاء القوم، أمَّا زيد فمنطلق، وأمَّا غيره فلا أعرف حاله، ورُدّ بأنّ فيه تكلّفا لا يُحتاج إليه، ولهذا قال العلامة العصام [8] : ومن قصر نظره على الثاني، فقد صار عانيا التكلفات، لا

(1) البقرة 26، والآية بتمامها: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ] .

(2) الكهف 79، والآية بتمامها: [أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا] .

(3) الكهف 80، والآية بتمامها: [وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا]

(4) الكهف 82، والآية بتمامها: [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا] .

(5) النساء 175

(6) آل عمران 7، والآية بتمامها: [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] .

(7) آل عمران 7.

(8) هو عصام الدين إبراهيم بن محمد بن عربشاه الاسفراييني، من علماء خراسان، توفي في حدود 951 هـ وله: حاشية على متن السمرقندية في علم البيان (شرح الاستعارات السمرقندية) ، وحاشية الرسالة الترشيحية في أقسام الاستعارة، وشرح كافية ابن الحاجب، وحاشية على شرح الجامي لكافية ابن الحاجب وغيرها. انظر الأعلام للزركلي 1/ 65،5/ 73

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت