ب- إنفاق أموال الزكاة الممنوحة لبعض الفقراء من أصحاب الحرف والمهن سوف تستخدم كأداة لمساعدتهم في القيام ببعض الإستثمارات الصغيرة، ولهذا فإن صرف الأموال لهذه الفئة من الناس من شأنه أن يحثهم على العمل والإنتاج وبالتالي يساعد على تحقيق تنمية إقتصادية للأفراد أنفسهم وللمجتمع كذلك.
ج- إن من بين المصارف التي تتصرف أو تنفق عليها الزكاة"سداد ديون الغارمين"والغارمون صنفان، صنف منهم استدانوا في مصالح أنفسهم كأن يستدين في نفقة أو كسوة، أو زواج، أو علاج مرض، أو بناء مسكن، أو شراء أثاث، أو تزويج ولد، أو أتلف شيئًا على غيره خطأ أو سهوًا أو نحو ذلك، فيدفع إليهم مع الفقر دون الغنى ما يقضون به ديونهم، وصنف منهم استدانوا في مصالح المسلمين فيدفع إليهم مع الفقر والغنى قدر ديونهم من غير فضل (83) ، وقال إبن كثير: وأما الغارمون فهم أقسام فمنهم من تحمل حمالة أو ضمن دينًا فلزمه فاجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب فهؤلاء يدفع لهم (84) .
فهذا يعني أن بيت المال يضمن للدائن وفاء دينه وفي هذا تشجيع للإئتمان عندها لن يمتنع المقرض عن إقراض ماله ولن يمتنع المستقرض من الاقتراض لأن الدولة سوف تقوم بسداد دينه إذا عجز عن ذلك، إذا انفق هذا المبلغ في غير معصية، وبالتالي تعمل الزكاة على تيسير الإئتمان وتشجيعه، الأمر الذي له أكبر الأثر في تمويل التنمية الإقتصادية، وفي تعهد الشرع بسداد الدين عن المدينين تشجيع على القرض الحسن لأنه لا يذهب دين على صاحبه بإفلاس أو نحوه لأنه إذا عجز عن أدائه فستؤدي عنه الزكاة (85) ، وعلى المؤسسات المالية ألا تمتنع عن الإقراض طالما أن الدولة تضمن الغارمين (86) .
ويؤيد ما سبق، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال (ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ، فأيما مؤمن مات وترك مالا ً فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني، فأنا مولاه) (87) ، أي فأوفي دينه، وأكفل عياله، علمًا بأن في بداية الإسلام لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على ميت عليه دين، ولكن لما أصبح في بيت مال المسلمين مال، أصبح النبي صلى الله عليه وسلم يسدد عنه، مصداقًا للحديث الصحيح السابق.
د- وأخيرًا فإن الإنفاق في مصرف (الرقاب) من شأنه أن يحرر قوة إنتاجية بشرية لا بأس بها لتساهم في الأعمال الإقتصادية الإنتاجية المختلفة بما يعود على المجتمع كله بمزيد من الإنتاج، الذي من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الإستثمارات، وبالتالي إحداث التنمية الإقتصادية، وذلك أن الإسلام شجع على تحرير الرقاب العبيد"وإذا تأملنا في مفهوم"تحرير"نجد أنه يقابلها"تقييد"وهذا الرقيق كان مقيدًا بعمل ما لدى سيده (الخدمة البيتية) فمبجرد تحريره فإنه ينطلق من هذا القيد إلى الإنتاج والعمل فيساهم في بعض المهن التي يجيدها، وهنا نلاحظ دور الزكاة في تحرير هذه الأعداد من البشر ذات الطاقة الإنتاجية ممثلة بعنصر العمل (88) ."
وهكذا نجد أن قواعد المال في الإسلام حرمت إكتناز المال كما فرضت ضريبة على رأس المال المدخر غير المستثمر، أي على ثروات المجتمع المعطلة من النقود والثروات الحيوانية والحلي المعدة للتجارة، وتهدف من وراء ذلك إلى تعبئة جميع الثروات وإستثمارها لمواجهة التنمية الإقتصادية في المجتمع الإسلامي (89) .