ولا بد من التذكير بأن النظام الإسلامي لا يعتمد على الاستغلال لتحقيق أعلى ربح ممكن للفرد، إذ إن تحقيق أقصى ربح للأفراد ليس هو الهدف الرئيس، إنما الهدف الرئيس هو زيادة الإنتاج إلى أقصى حد ممكن، بحيث يمكن أن يؤدي الناس ما عليهم من زكوات أو زكاة، وذلك لأن الإسلام يرى أن النشاط الإقتصادي كسبًا وإستثمارًا، عبادة يثاب الفرد عليها إذا أخلص النية فيها لله تعإلى كما في قوله تعإلى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) (90) ، ويبين الشاطبي ذلك في وصف الإجارات والتجارات في المجتمع المسلم بقوله:"ونجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من الربح أو الأجرة، حتى يكون ما حاول أحدهم كسبًا لغيره، لا له، ولذلكم بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم لأنهم وكلاء للناس لا لأنفسهم، بل إنهم يرون المحاباة لأنفسهم وإن جازت كالغش لغيرهم" (91) ، فالفرق واضح بين النظرتين، نظرة على زيادة الإنتاج لزيادة الزكاة لقوله تعإلى: (والذين هم للزكاة فاعلون) (92) ، أي يزيدون الإنتاج إلى اقصى حد ممكن بحيث تكون هناك زيادة يعطى منها الزكاة (93) ، بعكس النظر الغربي المبني على تحقيق أعلى ربح ممكن للفرد بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، فمن كانت غايته المادة جعلها معبودًا له، يقاتل من أجلها، ويحب ويبغض، وهذا ما يؤدي إلى الأنانية والاحتكار.
وأخيرًا، لكي نعرف مدى حرص الإسلام وتشجيعه على الإستثمار ومنع الإكتناز للأموال، فقد روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت"يا رسول الله، مالي شيء إلا ما أدخل عليّ الزبير بيته فأعطي منه؟ قال: (أعطي ولا توكي فيوكى عليك) (94) ، أي لا تدخري وتحبسي ما في يدك فتنقطع مادة الرزق عليك، وهذا الحديث يستدل منه على تشجيع الإستثمار، وعدم الإكتناز، وإدامة حركة المال بين أفراد المجتمع."
وزيادة على ما سبق يرى السحيباني أن الزكاة يمكن أن تؤثر على الإستثمار بطرق أخرى أهمها (95) :
1.تمويل الفقير برأس مال نقدي يعمل فيه، أي إعطاء الفقير المحترف ما يمكنه من الاعتماد على نفسه.
2.قيام صندوق الزكاة بشراء أصول ثابتة، مثل أدوات الصنعة، وتوزيعها على الفقراء ليعملوا بها.
3.تدريب الفقراء على مهارات وخبرات تفسح أمامهم الفرص.
4.إستثمار أموال الزكاة في مشاريع إستثمارية، وغيرها من تقديم الخدمات في برامج التنمية.
ويخلص إلى أن جمهور الفقهاء لا يجيزون إلا الصورة الأولى، وذلك من تركيز الفقهاء على إعطاء ثمن الآلة وليس الآلة نفسها، ومنهم النووي والرملي.