فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 88

ذلك، الإنسان قد يتعب جوارحه وينهك قواه من أجل أن يحصل على لذة معنوية إما أن تكون لذة مطلوبة شرعًا كلذة العبودية والأنس بالله عز وجل وإما أن تكون لذة محرمة وهي أن يذكر ويعرف وينال شرفًا عند الناس.

2 -ومما يصلح القلب: كثرة ذكر الموت وزيارة القبور ورؤية المحتضرين: فإنها اللحظات التي يخرج الإنسان فيها من الدنيا ويفارق سائر الشهوات واللذات، ويفارق الأهل والمال الذي أتعب نفسه في جمعه في لحظة ينكسر فيها الجبارون، ويخضع فيها الكبراء، ولا يحصل فيها للعبد تعلق بالدنيا ولهذا يكثر من الناس التصدق في تلك الأحوال فلربما كتب الواحد منهم في حال صحته وعافيته وصية يوصي بها أن إذا مات وانقطعت علائقه من الدنيا أن يخرج من ماله كذا وكذا.

فذكر الموت يحيي القلب، ويلين ما فيه من القسوة، فاجعل لنفسك وقتًا تتفكر فيه بهذا المعنى وتزور فيه المقابر وتتبع الجنائز، سعيد بن جبير رحمه الله- وهو من عبّاد التابعين وعلمائهم- كان يقول:'لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد علي' [نزهة الفضلاء 506] . معنى ذلك أن الموت ملازم لقلبه يذكره في كل أحواله، وكان صفوان بن سليم يأتي البقيع، فيمر بمحمد بن صالح التمار، فتبعه في ذات يوم، فقال محمد: فقلت في نفسي سأنظر ما يصنع، فجاء صفوان على قبر من القبور في البقيع، فلم يزل يبكي حتى رحمته من كثرة البكاء، وظننت أنه قبر بعض أهله، فهو يأتي لزيارته، ويتذكر هذا القريب الحبيب فيبكي ويرق لذلك، يقول: ومر به مرة أخرى فتتبعته ففعل مثل ذلك فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر فقال:'كلهم أهله وإخوته إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة' [نزهة الفضلاء 610] .

3 -ومما يحيي القلب: مجالسة الصالحين الذين يذكرون الله عز وجل ويذكرون بالله بالنظر إلى وجوههم: من الناس من إذا نظرت إلى وجهه؛ انشرح صدرك؛ وذهبت عنك كثير من الأوهام والهموم والمخاوف. قال ابن القيم رحمه الله: كان إذا حدق بنا الخصوم، وأرجفوا بنا، وألبوا علينا، واعترتنا المخاوف من كل جانب؛ أتينا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: فوالله ما إن نرى وجهه حتى يذهب ذلك عنا جميعًا لما يرون في وجهه من الإنارة، وما يرون فيه من المعاني الدالة على انشراح الصدر، وثبات القلب والتقى والرجاء والخوف من الله، فإن الوجه مرآة للقلب ولهذا قيل:'ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحة وجهه وفلتات لسانه'.

ودخل رجل على عثمان رضي الله عنه، فقال عثمان:'أيعصي أحدكم ربه ثم يدخل علي؟ فقال الرجل: أَوَحْيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني كيف علمت؟ - فأخبره أنها فراسة المؤمن حيث يكون الوجه مظلمًا لما في القلب من الظلمة، ويكون الوجه مشرقًا لما في القلب من الإشراق.

ومن الناس من إذا رأيته أحببته قبل أن يتكلم، ومن الناس من إذا رأيته أبغضته قبل أن يتكلم، وما ذلك إلا أن هذه الأوجه هي صفحات ينقش فيها ما تكنه القلوب. يقول جعفر بن سليمان رحمه الله:' كنت إذا وجدت من قلبي قسوة غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع - وكان من كبار العباد والصالحين - كان وجهه كأنه ثكلى' [نزهة الفضلاء 638] ، يعني: كأنه وجه ثكلى من أثار الخوف من الله عز وجل، بادية عليه آثار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت