الإشفاق، آثار الخشية ظاهرة على وجهه، فإذا نظروا إلى وجهه؛ رقت قلوبهم قبل أن يتكلم لا يحتاجون إلى كثير من كلامه.
ومن الناس من إذا نظرت إلى وجهه؛ أظلم قلبك ويتصدد الإنسان أحيانًا عن رؤية بعض الوجوه من أجل ما فيها من الظلمة، فإن النظر إلى هذه الأشياء يؤثر على القلب، ولهذا تعلمون أن جريج الراهب دعت عليه أمه كما في صحيح مسلم قالت: [اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ] فقط، والمومسات-أعزكم الله- البغايا، لما: [أَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ قَالَ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَاوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ مَا شَانُكُمْ قَالُوا زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ فَقَالَ أَيْنَ الصَّبِيُّ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ فُلَانٌ الرَّاعِي قَالَ فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَقَالُوا نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُوا ... ] رواه البخاري ومسلم- واللفظ له-.
هذه الدعوة التي دعت بها أمه ماذا كانت نتيجتها أيها الأخوة؟! كان نتيجتها أنه نظر إلى وجه مومس واحدة امرأة واحدة بغي اتهمته فجئ به إليها، وقيل له أنت فجرت بهذه فأنجبت هذا الغلام، نظر إلى امرأة واحدة فكان ذلك إجابة لدعوة أمه عليه، فكيف بالذي يقلب بصره صباح مساء وقد شخص بصرة أمام القنوات الفضائية يرى وجوه المومسات!! كم نجني على قلوبنا أيها الأخوة كم نفسدها بأيدينا وبأفعالنا .. كم يجني الإنسان على نفسه حينما يقلب طرفه ويسخر نظره في المواقع الكثيرة في الشبكة العنكبوتية ينظر إلى ما حرم الله عز وجل كم تؤثر فيه هذه النظرات!! فالنظر في وجوه الصالحين يؤثر في القلب، يقول عبد الله بن المبارك وهو من العلماء يقول:'إذا نظرت إلى الفضيل بن عياض جدد لي الحزن ومقت نفسي ثم بكى' [نزهة الفضلاء 778] . أي: طرد عنه الفكاهة والغفلة، فجدد في قلبه الحزن والإشفاق من الآخرة واحتقر نفسه، إذا كان ابن المبارك يحقر نفسه إذا نظر إلى وجه الفضيل بن عياض فماذا نقول نحن ونحن أصحاب غفلة طويلة؟!
وهذه الموضوعات قلَّ من يتكلم عليها مع أننا في أمس الحاجة إليها، وقلَّ من يزور المقابر، وقلَّ من يسعى إلى مجالس الصالحين الذين ينتقون أطايب الكلام ويجددون الإيمان في قلبه وقد يجتمع معهم ويتحدثون فيما حرم الله عز وجل من الغيبة والنميمة، بأي عذر اعتذروا، وبأي تبرير برروا ذلك، والله عز وجل يعلم ما في القلوب.
4 -أن يكون تعلقه بربه ومعبوده وخالقه جل جلاله: إذا تعلق القلب بالمخلوق؛ عذب بهذا المخلوق أيًا كان سواء كان رجلًا، أو امرأة، أو سيارة، أو عقارات، أو مالًا، أو غير ذلك.