فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 88

رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ- ولاحظوا إخلاص السلف رضي الله عنهم، ما قال: إني صاحب أعمال كثيرة، وصعب أن أحصيها لك الآن، ولا أريد أن أظهر عملي، ليظهر كأن عنده بعض الأعمال العظيمة - قَالَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. ليس في قلبه غل على أحد، ولا حسد لأحد من المسلمين، فماذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص- وهو من علماء الصحابة وعبادهم، كان يصوم الدهر حتى نهاه الرسول صلى الله عليه وسلم وما زال به حتى أقره أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان يختم القرآن في صلاة الليل في كل ليلة لما سمعه عبد الله بن عمرو بن العاص ماذا قال؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ' رواه أحمد.

تأملوا في هذه الجملة وقفوا عندها طويلًا:' هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ ' من قالها؟ إنسان عالم، عابد، من أعبد الناس، زوجه أبوه امرأة من أشراف قريش يقول فجاء عمرو بن العاص بعد سبعة أيام إلى زوجة عبد الله بن عمرو فسأل عنه فقالت:' نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَا لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ'. ما قربها وما لمسها يقوم طول الليل، إذا غربت الشمس بدأ في ورده، وإذا صلى العشاء بدأ القيام إلى الفجر، ثم هو صائم، فلم يعجب ذلك أباه فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكاه، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم ... الخ القصة المعروفة. رواها البخاري ومسلم.

شاب يتوقد حيوية، وليس به علة ما هو مريض، ولا ضعيف، ولا عاجز مشغول، ومع ذلك يقول لهذا الرجل:' هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ ' فهذا يدل على أي شيء؟ يدل على عظم هذا المعنى، وأنه يبلغ بالإنسان أعلى الدرجات وإن لم يكن له عمل كثير، ويدل على أنه من أصعب الأشياء، صفاء القلب للمسلمين، ونقاء القلب لإخواننا هذا أمر صعب، قد يكون الإنسان عنده علم كثير، وعبادة كثيرة، ومع ذلك لا يستطيع أن يسيطر على قلبه، لكن بالمجاهدة مع كثرة الدعاء والإلحاح على الله عز وجل وكما علمنا الله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [34] } [سورة فصلت] .

وإسقاط حظوظ النفس، إذا خرجت من بيتك اجعل حظ النفس خلف ظهرك، لا ترى لأحد عليك حقًا فتشره على هذا، وتعتب على هذا، وهذا لم يقدرني، وهذا ما قام حينما سلم عليّ وقام لفلان، وهذا لم يزرني حين مرضت، وهذا لم يعزيني في فلان، وما إلى ذلك .. دع عنك هؤلاء وارتبط بالله عز وجل، فالعبادات القلبية أساس النجاة والفوز بالجنة.

ثالثًا: أنها سبب المراتب العالية في الجنة: فالحب في الله عبادة قلبية محضة، وقد صح من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إِنَّ لله جُلَسَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ وَكِلْتَا يَدَي الله يَمِينٌ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ وُجُوهُهُمْ مِنْ نُورٍ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ وَلَا صِدِّيقِينَ] قِيلَ يَا رَسُولَ الله مَنْ هُمْ قَالَ: [هُمْ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت