لماذا؟ لأن العذر قد حبسهم، فالإنسان قد لا يستطيع أن يعمل بعض الأعمال، ولكنه يبلغ مبلغ العاملين لها بنيته، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ] رواه مسلم.
فدل على أن الإنسان إن لم يقم بالغزو ببدنه وجوارحه؛ فعليه أن يستحضر النية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ] رواه البخاري ومسلم. فالنية لربما تكون معوضة عن عمل قد يعجز عنه الإنسان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ] رواه مسلم.
عاشرًا: أن أعمال الجوارح كما ذكر ابن القيم رحمه الله- في مدارج السالكين - لها حد معلوم وأما أعمال القلوب لا حد لها بل تضاعف أضعافًا: وذلك لأن أعمال الجوارح مهما كثرت وعظمت لها وقت معلوم، الصلاة لها وقت، والصيام له وقت، والحج له وقت وله حد محدود. أما العبادات إذا كانت متعلقة بالقلب-العبادات القلبية- فإنها تكون حالًا ملازمة للعبد في صحوه ونومه، وصحته ومرضه، وصفائه وكدره، وفي جميع أموره.
· ولنأخذ مثالًا على ذلك: المحبة: محبة الله عز وجل هل تفارق العبد؟ هل تفارق قلب العبد وهو قائم، أو قاعد، أو يمشي، أو مسافر، أو مقيم، وهو يأكل، أو يتعبد أو غير ذلك؟ هي ملازمة له.
· التعظيم.
· الإخلاص.
· الشوق إلى لقاء الله عز وجل.
فإذا تمكنت هذه الأمور من قلب العبد، واستحكمت؛ فإنها تكون حالًا ملازمة لهذا العبد، فلا تفارقه. وهذا يدل على شرف الأعمال القلبية على أعمال الجوارح فهي تنقطع وتنقضى.
الحادي عشر: أن العبادات القلبية يستمر بعضها في أحوال تنقطع فيها عبادات الجوارح أو تقل:
فمثلًا: إذا مات الإنسان انقطع عمله الذي يباشره بنفسه هو، ويبقى ما ورثه من الولد الصالح ... إلخ. لكن الأعمال التي يعملها هو من صلاة وصيام ... إلخ تنقضي، ولكن الأمور القلبية: التوحيد: يسأله الملكان فيجيب، يسألانه عن الإيمان، وفي الجنة، وفي جميع أحوال العبد إذا كان لديه إدراك، فإن قلبه متعلق بمولاه .. هذا المؤمن، فأهل الجنة يحبون الله، ويعظمونه، ويجلونه، ويقدسونه، وهذا عمل قلبي، ولكنهم لا يصلون في الجنة، ولا يصومون في الجنة؛ فليست الجنة محلًا لهذه التكاليف، أما الأمور القلبية فهي تستمر، أو يستمر كثير منها، أما التسبيح فإن أهل الجنة يلهمونه إلهامًا كما يلهمون النفس فلا يرد على هذا. الثاني عشر: أن العبادات القلبية هي الأصل وأن أعمال الجوارح فرع عنها: ومعلوم من أصول أهل السنة والجماعة: أن الإيمان: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. فالقلب يصدق، واللسان يشهد، والقلب يعمل عمله من توكل، ومحبة، وإخبات .. وما إلى ذلك. واللسان يعمل: ذكرًاَ، وقراءة للقرآن، وقولًا للحق، والجوارح: تسجد وتركع، وتعمل الصالحات التي تقرب إلى الله عز وجل.