فعمل القلب هو الأصل، فلو انتفى التصديق الانقيادي، والإقرار من القلب ماذا يحصل؟ لا يقبل عمل من أعمال الإنسان البتة، يقول ابن القيم رحمه الله:'أعمال القلوب هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبعًا، ومكملة، ومتممة' يقول:' وأما النية فبمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح كمواتها، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية، فحركة عابث، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عنها' [بدائع الفوائد 3/ 224] .
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا يشبه هذا: [انظر الفتاوي 10/ 5 - 6 و 15، 355، شرح حديث: [يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي] ص 45]، وكذا ذكره ابن القيم في مواضع من كتبه: [انظر بدائع الفوائد 3/ 230 الصلاة ص 54، المدارج 1/ 101] . لأن أصل الدين هو الأمور الباطنة، ويكفي هذا في بيان المعنى.
تاسعًا: لزوم العناية بأعمال القلوب وأعمال الجوارح وأحوال الناس في ذلك:
بيان أهمية أعمال القلوب، وأنها أشرف من أعمال الجوارح لا يعنى أن نهمل أعمال الجوارح، وقد ذكر العلماء ومنهم الشيخ تقي الدين الله وتلميذه ابن القيم وغيرهم: [انظر الفوائد ص 142 - 143، إغاثة اللهفان ص 118، بدائع الفوائد 3/ 710] أحوال الناس في ذلك فهم على ثلاث أحوال:
· منهم: من اشتغل بالأمور القلبية، وإصلاح القلب، ومراقبة الخطرات، وَتَرَكَ الأعمال الظاهرة وأهملها.
وطائفة: اشتغلوا بالأعمال الظاهرة: كالصيام، والصلاة، وما إلى ذلك، وتركوا إصلاح القلوب؛ فعششت الأحقاد في قلوبهم، والتنافس على الرئاسات، وقست قلوبهم، وصار فيها من تعظيم المخلوقين، أو الخوف منهم ما لا يقدر قدره.
·الطائفة الثالثة-وهي التوسط-: أن يعتني بالأمور القلبية، وأن تُعْطَى حقها، وأن يعتنى بأعمال الجوارح، فهذا سبيل المرسلين عليهم الصلاة والسلام، كانوا يعنون بأمور القلب كما يعنون بأمور الجوارح.
فلذلك نقول: إن التربية الصحيحة هي التي تعنى بقلب الإنسان كما تعنى بجوارحه، هرقل لما سأل أبا سفيان ومن معه هل يرجع أحد منهم سخطة عن دينه بعد دخوله؟ يسأل عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: لا قال: وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فإن أصحابه لا يرجعون عنه. وقد ذكر شيخ الإسلام من خصائص أهل السنة والجماعة الأخلاقية، قال: وأن الواحد منهم لا يرجع عن دينه، ولو مشط بأمشاط من حديد، وشيخ الإسلام يقول: ولا نعرف قط أن أحدًا منهم رجع عن دينه، والحق الذي اعتقده بترغيب، أو بترهيب.
فيجب أن نربي الناس على العناية بقلوبهم، هذا الشاب الذي تراه معك يذهب ويجيء بنشاط في أعمال صالحة هذا طيب لكنه قد يسافر، فينحرف .. قد يفقد هذه المجموعة، فينحرف، وقد يُسْتَغْرَبُ لماذا ينحرف؟! لأنه انشغل بعمل ظاهر دون أن تخالط قلبه بشاشة الإيمان، المفروض: أن نغرس فيهم حب الله، والإقبال على الله عز وجل، والخوف منه ومراقبته، وما إلى ذلك.