فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 88

يقتحم فيها في أحد حالين: إما لإقامة الحجة أنه على الحق، وإما لحاجة كما فعل سعد بن أبي وقّاص رضى الله عنه حينما ركب على الماء، يقول شيخ الإسلام:' إن هؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم، وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه؛ وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونقوم بنصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا، وجسومنا، وأموالنا، فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات'.

فانظر إلى شيخ الإسلام رحمه الله: جاء إلى السلطان، وتحداهم أن يدخل معهم في النار، فلما رأوا جزمه على ذلك أبوا، واقتنعوا، وقال كبيرهم: بل نطلب المصالحة، فطلب منهم شيخ الإسلام أن يتركوا هذه الأفعال التي تخالف الشريعة، والتي تُلَبِّس على عوام المسلمين؛ فأقروا بذلك عند الأمير، وهذا مقام لا يفعله أحد من الناس إلا من اكتمل يقينه، وكان هذا اليقين مزمومًا بالعلم.

* وأمر عاشر مما يثمره اليقين: أن اليقين إذا تزوج بالصبر فإنه يولد بينهما الإمامة في الدين: والله عز وجلّ يقول: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [24] } [سورة السجدة] . فالصبر هو لقاح اليقين. [مدارج السالكين 2/ 196، الفوائد ص 199] .

* والأمر الحادي عشر مما يورثه اليقين: هو أنه يحمل صاحبه على الجد في طاعة الله عز وجلّ والتشمير والمسارعة والمسابقة في الخيرات: ولذلك فإن أصحابه يمتطون العزائم، ويهجرون اللذات، وكما قيل:' وما ليل المحب بنائم'. فعلموا طول الطريق، وقلة المقام في منزل التزود؛ فسارعوا في الجهاز، وجدّ بهم السير إلى منزل الأحباب، فقطعوا المراحل، وطووا المفاوز- كما يقول ابن القيم رحمه الله [مفتاح دار السعادة 1/ 149] -. وهذا كله من ثمرات اليقين فإن القلب إذا استيقن ما أمامه من كرامة الله، وما أعدّ لأوليائه بحيث كأنه ينظر إليه من وراء حجاب الدنيا، ويعلم أنه إذا زال الحجاب، رأى ذلك عيانًا؛ زالت عنه الوحشة التي يجدها المتخلفون، ولان له ما استوعره المترفون؛ ولذلك ما الذي يجعل هذا الإنسان يقدم نفائس الأموال التي تعب في جمعها وتحصيلها، ويجعل الآخر إذا أراد أن يتصدق بصدقة- ولو قلّت- يفكر ويحسب الحسابات؟ ما الذي يجعل هذه المرأة إذا أرادت أن تتصدق تُقَلِّب هذه الثياب والملابس والأثاث، فترفع هذا بحجة أنه يمكن الاستفادة منه، وترفع الآخر بحجة أنه جيد مستحسن، وترفع الثالث باعتبار أنه لم يَبْلَ بعد، وترفع الرابع باعتبار أنه جديد لم يستعمل إلا قليلًا، ما الذي يجعلها كذلك؟! ويجعل الآخر يبحث عن الأشياء الجيدة، فيتصدق بها؟ والله عز وجل يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ... [92] } [سورة آل عمران] . الذي يجعل الناس يتفاوتون هذا التفاوت هو اليقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت