فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 88

الآن انظر إلى ما يُدعى إليه الناس في هذه الدنيا من ألوان التجارات، فربما استشرفتهم الأرباح العالية التي يُدعون إليها، وكم تبلغ هذه الأرباح؟ هي في جميع الأحوال لا تكاد تبلغ الضعف، وإنما هي تتراوح بين نِسَب قد لا تصل إلى خمسين بالمائة، فما الذي يجعل هؤلاء الناس يبيعون بيوتهم، ويجعل بعض الناس يُصَفُّون مؤسساتهم، وما الذي يجعل بعضهم يقترضون، ويشترون سيارات بالأقساط، ثم يبيعونها بخسارة من أجل أن يساهموا في الشركة الفلانية؟! الذي يجعلهم يفعلون ذلك- لا أقول هو اليقين بهذا الطمع القليل- إنما هو ظنٌ غالب عندهم أنهم يربحون، مع أنه يحتمل أن رءوس الأموال تذهب برمتها، ولا يبقى لهم لا ربح، ولا رأس مال، وإنما تكون لهم الخيبة والخسارة محققة!!

ومع ذلك رأيناهم يبيعون سياراتهم، ويبيعون أثاثهم، ويبيعون ممتلكاتهم! ورأينا من يقترض من أجل أن يساهم هنا أو هناك، ما الذي جعلهم يفعلون ذلك؟ هو ظن غالب، وما الذي يجعل العبد يحسب ألف حساب إذا أراد أن يتصدق؟ ما الذي يجعل كثيرًا من النساء يسألن أهل العلم ذلك السؤال الذي يتكرر دائمًا: هل يجب عليّ أن أُزكى الذهب المستعمل وأنا أتصدق أثناء السنة، أم ذلك يجزئ عنه؟

هل يجب عليّ أن أُخرج زكاة مالي، أو أنه يكفي أن أُسقط الديون المتعثرة المتعذر تحصيلها على فلان وفلان؟ هو يريد أن يخرج الزكاة بواسطة أشياء وديون معجوز عنها، فجعل حق الله عز وجل هو الآخِر، وهو الأقل في اهتماماته، ما الذي يجعل هذا الإنسان يبخل على الله عز وجل بركعة يضحي بها بلذة نومه؟ بل ما الذي يجعل هذا الموظف، أو هذا الطالب يوقت الساعة قبل وقت الدوام، ثم بعد ذلك ينام عن الصلاة، ويفرط فيها؟ وإذا احتُج عليه بهذا قال: ليس مع النوم تفريط! ما الذي يجعل المعلمة تنام ملء جفنيها، ولكنها لا يمكن أن تتأخر عن مدرستها حتى لا توقع تحت الخط الأحمر؟!

السبب هو ضعف اليقين، لو أن أحدًا من هؤلاء الموظفين، أو هؤلاء المعلمات يذهب دائمًا الساعة التاسعة إلى عمله، وعمله يبدأ في الساعة السابعة ماذا يقال عنه؟ يقال: إنه إنسان لا يبالى، مستهتر، فما الذي يجعل بعض المسلمين لا يحضر مع المصلين في صلاة الفجر، ولا يعرف المسجد في صلاة الفجر إلا في رمضان؟

أقول: ما الذي يجعل الناس يتأخرون عن طاعة الله عز وجلّ، ولا يتأخرون عن الدنيا؟ لماذا يتردد الإنسان عن الصيام تقربًا لله عز وجلّ وتطوعًا- وهو من أَجَلّ القربات- ثم إذا كان ذلك بنصيحة من الطبيب، وأن عافيته تتوقف على ذلك؛ فإنه يترك هذا الطعام والشراب، ويترك أنواع الطيبات، ويبقى في حال يرثى له بها عدوه، حيث منع نفسه أشياء كثيرة جدًّا، وصار لا يأكل إلا بعض الأمور التي يصعب تحصيلها، ما الذي يجعله يفعل ذلك؟ هو صحة متوقعة، وعافية مرجوة ليست متيقنة، فما الذي يمنع العبد من المسارعة في أمور أخبر الله عز وجلّ عنها، وخبره صدق وحق: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [87] }. [سورة النساء] . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [122] } [سورة النساء] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت