خربة وبها جماعة من السابلة من المسافرين وبعضهم يقول لبعض: إن فضيلًا يقطع الطريق، وهم لم يشعروا بمكانه، فقال: أوّاه، أراني بالليل أسعى في معاصي الله، وقوم من المسلمين يخافونني، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام. وفي بعض الروايات أنه قال: لهؤلاء القوم: أنا الفضيل جوزوا، يعني: امضوا في طريقكم وسفركم، والله لأجتهدن ألا أعصي الله أبدًا، فرجع عن ذلك.
وأما ابن المبارك الذي عرفتم توبته فكان يوصف خشوعه بأوصاف عجيبة، كان إذا قرأ في كتابه الزهد والرقائق كأنه بقرة منحورة من كثرة البكاء، وكذا كان الفضيل في خشوعه. جاء ناس إلى الفضيل بن عياض، واستأذنوا عليه عند بابه، فلم يؤذن لهم، فقال قائل: إنه لا يخرج إليك إلا إذا سمع القرآن، فكان معهم رجل مؤذن حسن الصوت، فقال له اقرأ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ [1] { [سورة التكاثر] فقرأ ورفع بها صوته، فأشرف عليهم الفضيل، وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع، ومعه خرقه ينشف بها الدموع من عينيه ويقول:
بلغت الثمانين أو جُزتها فماذا أُؤمل أو أنتظر
أتاني ثمانون من مولدي وبعد الثمانين ما يُنتظر
علتني السنين فأبلينني
ثم انقطع وخنقته العبرة، فقال لهم رجل أنا أكمل لكم البيت:
علتني السنون فأبلينني فَرقت عظامي وكل البصر
فتية يُعرف التخشع فيهم كلهم أحكم القرآن غلاما
قد برى جلدهم التهجد حتى عاد جلدًا مصفرًا وعظاما