الصفحة 23 من 58

صلى الله عليه وسلم كما استنفر غيرهم، فخرج بعضهم معه وبعضهم تخلفوا، وكان في الذين خرجوا معه من هم بقتله في الطريق، هموا بحل حزام ناقته ليقع في واد هناك، فجاءه الوحي، فأسر إلى حذيفة أسماءهم، ولذلك يقال: هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما ثبت ذلك في الصحيح ومع هذا ففي الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الإيمان.

وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة تورد في هذا المقام؛ فإن كثيرا من المتأخرين ما بقي في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل، أو فاسق، واعرضوا عن حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة، والنفاق شعب كثيرة، وقد كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم.

ففي الصحيحن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان"وفي لفظ مسلم:"وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم"وفي الصحيحن عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولا يصلي عليهم ويستغفر لهم، حتى نهاه الله عن ذلك فقال: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ) [التوبة:84] . وقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ) [التوبة:80] . فلم يكن يصلي عليهم ولا يستغفر لهم، ولكن دماءهم وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذي لا يظهرون أنهم مؤمنون؛ بل يظهرون الكفر دون الإيمان، فإنه صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"ولما قال لأسامة بن زيد:"أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟"قال: إنما قالها تعوذا. قال:"هلا شققت عن قلبه؟"وقال:"إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"وكان إذا استؤذن في قتل رجل يقول:"أليس يصلي، أليس يتشهد؟"فإذا قيل له: انه منافق. قال:"ذاك".

فكان حكمه صلى الله عليه وسلم في دماؤهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم؛ وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه. قال تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) (التوبة:101) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت