الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل الكتاب على عبده نبراسًا وهدًا للمتقين، ولم يجعل فيه خللا ولا نقصًا، الحمد لله الذي تكفل بحفظه ولم يدع للباطل أن يدخل عليه منذ أن أنزله على عبده الآمين حتى يأخذ الأرض ومن عليها.
والصلاة والسلام على الصادق الأمين الذي انزل الله تعالى على قلبه الفرقان ضياءًا وهدًا وبشرًا للمؤمنين، فأدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، بعد أن كانوا في عمايه عن الحق وانغماس في بحر الشهوات والشبهات والرضوان على آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين الذين آمنوا بهذه الرساله وجاهدوا مع نبيه (بأموالهم وأنفسهم، وهاجروا مع قائد دعوتهم، فتركوا الأموال والأوطان يسابقون لسماع القرآن، حتى اثنى عليهم الله تعالى في مواطن كثيرة من القرآن، فهم {المؤمنون حقا} [1] وهم الذين {يد الله فوق أيديهم} [2] وهم الذين {رضى الله عنهم ورضوا عنه} [3] ... وهم ... وهم ... وهم، لو خطت الأقلام مناقبهم لكلت وجفت.
ومن ثقة الله بهم في كتابه الكريم وثقة نبيه بهم أن كانوا كتاب وصيه عهد نبيه، والذين جمعوا هذا القرآن الذي بين أيدينا في صدورهم وفي سطورهم، وهم الحلقة الأولى في جمعه في مصحف كامل انتشر بعد ذلك في بقاع الأرض واصقاعها وفي مشارقها ومغاربها، فلم يدع بلادًا ولا مصرًا بل ولا دارًا إلا وطرقها مبشرًا ونذيرًا.
فكان بعدها الإيمان به إيمان بأصل من أصول الدين وأركانه، والكافر به ولو بحرف من حروفه فقد كفر به وبأصل من أصول الدين وأن عدم الإيمان بحفظ القرآن وصيانته يجر الى إنكار القرآن وتعطيل الشريعة التي جاء بها رسول الله (لأنه حينذاك يحتمل في كل آية من آيات الكتاب الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف، وحين تقع الاحتمالات تبطل الاعتقادات والايمانيات، لأن
(1) - الأنفال: آية 74.
(2) - الفتح: آية 10.
(3) - التوبة: آية 100.