وأما السلاجقة الأتراك من أهل السنة:
فقد كان لهم كذلك مواقف حاسمة من الرافضة الباطنية وقتالهم.
ومن ذلك ما كان من السلطان"ملك شاه"من إرسال أحد علمائه لمناظرة"الحسن بن صالح الصباح"المؤسس الحقيقي للمزارية الإسماعيلية ورئيسها الفعلي, بعد استيلائه على قلعة"ألموت"عام 483 هـ, وبعد أن نشر جيشه من الفدائية الذين كانوا يعيثون في الأرض فسادًا؛ يغتالون الآمنين, وينهبون أموالهم.
فأرسل إليه أولًا من يناظره فكريا لرده إلى جادة الصواب لوكان مريد حق وصاحب شبهة، ولما تبين له أنه صاحب هوىً وشهوة ورأى امتناعه؛ قرر السلطان"ملك شاه"ردعه بالقتال، فأرسل له جيشًا عام 485 هـ فحاصر قلعته"ألموت", فاستنجد"الصباح"في قزوين"بدهدار أبي علي"، الذي بدوره هب لنجدته مما ألحق الهزيمة بجيش"ملك شاه", ومع ذلك لم يتوقف"ملك شاه"من مواصلة جهاده ضد هذا الباطني ... بل راح يجهز حملات أخرى للقضاء على الباطنية, إلا أن الموت حال دونه ودون إكمال هذه الحرب.
وبعد موت"ملك شاه"؛ تولى ابنه السلطان"بارتيار"السلطة, فكان من أهم أعماله أن طهر جيشه من هؤلاء الذين كانوا يندسون بين صفوف الجنود وهم يحملون الفكر والحقد الباطني، فقتل كل من ثبت عليه تهمة الانتساب للباطنية, أو حتى من حامت حوله الشبه, ثم هاجم الباطنية في كل مكان فأُخذوا من خيامهم ومنازلهم, وقتلوا في ميدان عام, ولم يفلت منهم إلا من لم يُعرف, وبلغ عدد القتلى منهم ثلاثمائة ونيفًا.
ولم يكتف بذلك؛ بل إنه أذن للناس أن يقتلوهم أينما ثقفوهم، فأخذ الناس يتتبعون الباطنية ويقتلونهم.
حتى أن أحد فقهاء الشافعية, واسمه"أبي القاسم مسعود بن محمد الخجندي"كان يحفر الأخاديد, ويوقد فيها النيران ويحرق الباطنية فيها، فرادى وجماعات.
حتى أنه أوعز لعماله وأمرائه في الأقاليم التابعة له؛ بتتبع الباطنية والفتك بهم، ففتك بهم الأمير"جاولي"ما يقارب الثلاثمائة، وذلك بحيلة دبرها مع أصحابه من داخل صفوف الباطنية، حتى استطاع أن يظفر بهم ويقتلهم.
ثم إنه أرسل إلى الخليفة العباسي في بغداد يشير عليه بأن يتتبع الباطنية في بلاده, فأمر بالقبض على كل من يظن فيهم ذلك.
وفي ذلك يقول ابن الجوزي في"المنتظم": (ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب) .
وتعاون مع أخيه السلطان"سنجر"في محاربة الباطنية والقضاء عليهم.
وفي عام 521 هـ؛ أغار السلطان"سنجر"على الباطنية في قلعة"ألموت"؛ فقتل منهم ما يقارب الإثني عشر ألفًا.
وفي عام 456 هـ؛ أرسل السلطان"سنجر"أحد أمرائه, الأمير"قجق"على رأس جيش كبير إلى قلعة"طريثيث"، فأغار عليها وأحرق مساكنها وسبى ما وقع عليه يديه, وفعل بهم الأفاعيل العظيمة, ثم عاد سالمًا.
وأما في عهد السلطان"محمد السلجوقي"؛ والذي عرف بغيرته الدينية وجهاده في سبيل الله, وتفانيه في نشر المذهب السني, والقضاء على دين الرافضة والفكر الباطني, فقد أدرك منذ توليه السلطة أنه لا يمكن أن تسلم بلاد المسلمين ويعلوها دين الله إلا بالقضاء أولًا على الباطنية وهدم معاقلهم, وأن من أهم الأعمال التي يجب عليه القيام بها هو القضاء عليهم, فكان من أهم أعماله التي قام بها؛ إرساله حملةً عسكريةً بقيادة الأمير"آق سنقر"لمحاصرة"قلعة تكريت"الباطنية, ثم قام بالقبض على وزيره"أبي المحاسن الآبي"لتواطئه مع الباطنية وتقديمه العون والدعم لهم, الأمر الذي تسبب في تأخير سقوط"قلعة أصبهان"، فعاقبه وأربعةً من أعوانه، فقتلهم ثم صلبهم على باب أصبهان.
وقام بمحاصرة"قلعة أصبهان"بنفسه؛ حيث سار إليها على رأس جيش كبير بعد أن كثر بها أذى الباطنية, حتى أن داعيهم زعيم الباطنية"أحمد بن عطاش"الذي كان يرسل أتباعه منها لقطع الطريق على الناس فيقتل الأبرياء, وينهب الأموال، مستحلين تلك النفوس والأموال بدينهم, حتى أنهم جعلوا على القرى المجاورة له وأملاك الناس الضرائب التي تجبى مقابل أن يكفوا بأسهم عنها.
فحاصرهم"السلطان محمد"في هذه القلعة لمدة أربعة أشهر, وأثناء الحصار؛ لجئوا إلى حيلة خبيثة يرومون من خلالها إثارة البلبلة والشبه حول موقف"السلطان محمد"من قتالهم - تمامًا كما هو حالهم اليوم من المجاهدين, وتمامًا كما هو موقف من يدعون العلم من مشايخ الفضائيات - فأرسلوا لفقهاء المسلمين يستفتونهم بطريقة ملتوية في قوم يؤمنون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر, ولكن يخالفون في الإمام؛ هل يجوز للسلطان مهادنتهم وموادعتهم, وأن يقبل طاعتهم, ويحرسهم من كل أذى؟
وكادت هذه الحيلة بالفعل أن تفرق كلمة المسلمين, وتغير الموقف لصالح الباطنية حين أجابهم أكثر الفقهاء بجواز ذلك ... لكن البعض توقف.
ولكن السلطان محمدًا بحكمته وفقهه وحنكته؛ جمع الفقهاء ودعاهم للمناظرة، فانتصر رأي الفقيه الشافعي"أبي الحسن علي بن عبد الرحمن السمنقاني"الذي أفتى بوجوب قتالهم وسفك دمائهم, وأنهم لا ينفعهم التلفظ بالشهادتين، لرأيهم في الإمام الذي يستطيع أن يحرم عليهم ما أحل الله, ويحل لهم ما حرم الله, وتكون طاعته لهم في هذه الحالة حسب اعتقادهم فيه واجبةً، فتباح دماؤهم بهذا السبب بالإجماع.
وحاول بعد ذلك"السلطان محمد"أن يسقط قلعة"ألموت", ويقاتل"الحسن بن الصباح"الذي كان متحصنًا فيها أكثر من مرة, إلا أن المنية وافته عام 511 هـ أثناء حصار جيشه بقيادة"أنشتكين"، والتي دام مدة حصارها ما يقارب الست سنوات، فاضطر القائد"أنشتكين", وبعد ضغط جنده إلى الانسحاب.
وبعد وفاة"السلطان محمد"؛ تسلم السلطة من بعده ابنه"محمود", والذي واصل سياسة والده, وكان يحمل نفس الهم والمنهج في ملاحقة وقتال الرافضة الباطنيين والرغبة في تطهير البلاد من رجسهم وأذاهم، فحاصر قلعة"ألموت"حتى سقطت في يده عام 524 هـ, ولكنهم استطاعوا أن يسترجعوها بعد وفاته عام 525 هـ.
وكان من حكام الولايات آنذاك"الأمير عباس"صاحب"الري", وكان من غلمان"السلطان محمود", وكان من المجاهدين المخلصين، فاستطاع أن يفتك بالباطنية الذين عنده، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، حتى أنه بنى منارةً من رؤوسهم بالري, كما أنه حاصر مجددًا قلعة"ألموت", واستطاع أن يدخل قريةً من قراهم, فقذفها بالنار وأحرق كل من فيها من الرجال والنساء والصبيان.