فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 44

وأما في العهد العباسي والذي إستمر حكمهم فيه مابين سنة مئة واثنين وثلاثين، إلى ست مئة وست وخمسين للهجرة:

فحدث ولا حرج عن ظهور أمر الرافضة وتشعب خياناتهم وتفننهم في أساليبها، ومن جميع الجوانب - سياسيةً كانت أو دينية أو أخلاقية -

فأما الإغتيالات؛ فأكثر من أن تحصى، وأما قلاقل الإنقسامات والدويلات الخارجة عن الخلافة؛ أشد من أن ترسى.

فكانت بداية جرائمهم في هذا العصر؛ سياسية تروم إسقاط الخلافة الأموية والخروج على ولاية الحاكم الأموي، ثم بعد ذلك التستر بدعوى أحقية بني العباس في الخلافه، والتي نادى ودعى إليها"أبو مسلم الخراساني"؛ ليتمكنوا من السيطرة على مقاليد البلاد بعد أن أظهروا موالاتهم ومشايعتهم لبني العباس زورا, فبدأوا بخراسان التي كانت أول ما سقط من البلاد على يد أبي مسلم ومع بداية العهد العباسي؛ فأخذ الفرس الحاقدون يشفون غليلهم من العرب المسلمين هناك، فأشبعوهم قتلًا وبطشًا وتنكيلا.

وحاول"أبو مسلم"نفسه شق عصا الطاعة على المنصور الذي ولي الخلافة بعد موت أخيه السفاح، وحاول أن يغدر به، ولكن المنصور بدهاءه وفطنته تنبه لما يحيكه"أبو مسلم"له؛ فاستدرجه حتى تمكن من قتله شر قتله، ودارت بعد ذلك محاولات فاشله من أنصار أبي مسلم للإنتقام له، تارةً من خلال الفتن السياسية، وتارةً من خلال بث الشبهات.

ومن هذه المحاولات؛ خروج"سنباب"الذي طالب ببدن"أبي مسلم"؛ فأرسل له المنصور جيشًا فهزمه.

ثم ظهرت"الراوندية"قرب أصفهان، أيضًا من جماعة"أبي مسلم"، يدعون لمعتقدات فاسدة، فنادوا بألوهية المنصور وأرادوا بذلك خداعه والإيقاع به لقتله، ولكنه حاربهم وانتصر عليهم.

ثم ظهر بعد ذلك منهم رجل لقب نفسه بـ"المقنع"، زعم أن الله سبحانه وتعالى حل في آدم ثم في نوح ثم في"أبي مسلم"ثم حل به أخيرًا، واستطاع أن يكون له جماعة وتغلب على بلاد ماوراء النهر، متحصنًا بقلعة"كش"، ولكن الخليفة"المهدي"- والذي إشتهر بشدته على الملاحدة والزنادقة - تعقبه فأرسل له جيشًا يحاصره، فلما تيقن هلكته سقى نفسه وأهل بيته السم وهلك.

ومع ذلك فلم يستطع"المهدي"أن يقضي على فتنتهم، نظرًا لتسترهم الدائم بالتقية والسرية، فهم دائمًا يعملون ويخططون بالخفاء مستخدمين النفاق الإجتماعي بالتقرب والتزلف إلى كبار رجالات الدولة في الخلافة العباسية، حتى تمكنوا من الوصول للمناصب الوزارية، فاستوزر كثير من خلفاء بني العباس هؤلاء الرافضة المجوس؛ كالبرامكة وأبي مسلم الخرساني والمجوسي الفضل ابن سحل، الذي كان وزيرًا للمأمون وقائدًا لجيشه، وكان يلقب بذي الرياستين - أي الحرب والسياسة -

بل وزوجوا أبنائهم من بنات الفرس، فأم المأمون"مراجل"؛ فارسية، ما أدى إلى تأثره وظهور هذا الأثر عندما إنتهى الحكم إليه، حيث اتخذ من"مروى"عاصمةً للخلافة بدلًا من بغداد، ونادى بأفكار وفلسفات غريبة عن الإسلام، كقوله بخلق القرآن.

وجاءت هذه الدعوة من رواسب تربيته الفارسية المجوسية، فكان نتيجة هذا التقارب أن تمكن رافضة المجوس من بث أفكارهم ومعتقداتهم بين المسلمين، وراحوا يدسون الأحاديث المكذوبة، ويلصقونها بالدين، وراحوا يصورون التاريخ الإسلامي على أنه تاريخ فتن وخصومة بين الصحابة، ويطعنون بأبي بكر وعمر خاصه وفي الصحابة عامة، بل إنبرى شعرائهم يتفاخرون بمجد فارس القديم، مما حدى بالأصمعي هجاءه بقوله:

إذا ذكر الشرك بمجلس أضاءت وجوه بني برمكي

وإن تليت عندهم آية أتوا بالحديث عن مزدكي

بل نتج عن هذا التقارب ماهو أشد على دولة الإسلام ودينه؛ ألا وهو تآمرهم على الخلافة وخروجهم وإستقلالهم في مناطق متعددة.

فكان أول من خرج على الخلافة العباسية، هو ما قام به طاهر بن الحسين الخزاعي، حيث استقل بخراسان كما فعل من قبل"أبو مسلم"، وتوالت بعد ذلك الانقسامات عن الخلافة وظهرت الخيانات والجرائم العظيمة من هذه الدويلات, فكان القرامطة في الأحساء والبحرين واليمن وعمان وفي بلاد الشام, والبويهيون في العراق وفارس, والعبيديون في مصر والشام.

ولكن من فضل الله تعالى أنه لم يكن يظهر للرافضة يد ودولة إلا ويظهر الله عليهم من يقوم بجهادهم ويسومهم العذاب, فقيض للرافضة في تلك الفترة السلاجقة الأتراك السنيين, الذين كان ولاءهم تابعًا للعباسيين، ولكنهم كانوا أشداء على الرافضة، فقامت هذه الدويلات الرافضة بالتعاون مع الصليبيين ومكنتهم من الدخول إلى بلاد المسلمين للقضاء على أهل السنة الذين عجزوا عن الصمود في مجالدتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت