فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 111

في أرضه يختلف عن هذا الواقع، فجاءهن وقال لهن قولًا مفهومًا لا يحتاج إلى استرسال في الكلام، وإيضاح وتبيين؛ لأن هذا الموقف بين الرجل الغريب والمرأة هو موطن شبهة يحذر منها كل مؤمن، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة صفية عند البخاري: (عن صفية بنت حيي قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا فحدثته ثم قمت، فانقلبت فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"على رسلكما إنها صفية بنت حيي"فقالا: سبحان الله، يا رسول الله. قال:"إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا أو قال شيئًا".

فموسى عليه السلام أحب أن يستفسر عن هذا الموقف فقال:"ما خطبكن؟"ولم يزد على ذلك، وهذا يبين عفة موسى عليه السلام وطهره من أن يقع في الرذيلة، وجعل النساء يأمنّ جانبه، فردّتا عليه بجواب يُذهب الشك ويبين طهرهن وعفتهن، وسبب خروجهن من بيتهن، وأنه ليست لهن بعادة، ولكن الضرورة هي التي أخرجتهن، فقالتا: {لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ، ففهم موسى هذا الأمر العظيم وهذه الأخلاق الكريمة النادرة في المجتمعات، التي لا يوفَّق لها إلا المؤمنات الصادقات، فكان رده أن سقى لهما، وأمنتاه على غنمهنّ، فسقى لهما ثم أعاد الغنم إليهن، وهنا قال بعض المفسرين أن في هذه القصة أحكام ثلاثة {لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} أعطَتْ حكمًا، و {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} أعطتْ حُكْمًا، و {فَسَقَى لَهُمَا} أعطت حكمًا ثالثًا.

وهذه الأحكام الثلاثة تُنظم للمجتمع المسلم مسألة عمل المرأة، وما يجب علينا حينما تُضطر المرأة للعمل، فمن الحكم الأول نعلم أن سَقْي الأنعام من عمل الرجال، ومن الحكم الثاني نعلم أن المرأة لا تخرج للعمل إلا للضرورة، ولا تؤدي مهمة الرجال إلا إذا عجز الرجل عن أداء هذه المهمة {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} .

أما الحكم الثالث فيعلم المجتمع المسلم أو حتى الإنساني إذا رأى المرأة قد خرجت للعمل، فلا بد أنه ليس لها رجل يقوم بهذه المهمة، فعليه أن يساعدها وأنْ يُيسِّر لها مهمتها.

وهناك لفتة عظيمة عن الطهر والعفاف في سياق الآيات التي بعدها، وبعد أن ذهب موسى عليه السلام إلى ظل شجرة يستظل بها وهو غريب طريد شريد، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"صنائع المعروف تقي مصارع السوء"فعندما رجعتا المرأتان إلى بيتهن رجعن في غير عادتهن سألهن الأب، وهذا واجب على كل وليّ أن يتفقد من يعول، وأن يرى المتغيرات في حالهن ويسألهن عن حالهن بغير شك ولا ريبة، ولكن النساء لا يستقيم حالهن، ولا يتذكرن ما لهن وما عليهن إلا بوليّ عليهن؛ ولحاجتهن لذلك، فعندما أخبرنه بالقصة بعث الأب بابنته لتدعو موسى عليه السلام، فوصف لنا القرآن هذا القدوم العفيف من هذه المرأة الطاهرة الشريفة، وكيف أكرم الله صفة الحياء عند النساء بأن وصفها بالقران وصفًا دقيقًا للحال، فقال سبحانه: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خَرَّاجة ولاجة (أي الجريئة السليطة) ] ، وسبحان الله كيف يكمل جمال المرأة بالعفاف والحياء، الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت