فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 111

إذا فقد من المرأة فقدت كل معاني الأنوثة، ومن أعظم دوافعها المجلبة لها هو الدين؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:"فاظفر بذات الدين تربت يداك"فنشاهد هذا الحياء الذي جاءت به إلى موسى عليه السلام في كلامها واختصارها بالمفيد الذي ليس فيه لبس، وانتقاء للكلام الذي لا يجعل للشيطان باب في التشويش والتحريش، فقالت كلامًا واضحًا: {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ، ويبين لنا القرآن في هذه القصة العظيمة أن الكلام بين موسى عليه السلام وبين تلك المرأة انقطع، ولم يكن هناك أخذ وعطاء وتجاذب بالكلام، كـ (من أين أنت؟ وماذا جاء بك؟ وهو يرد عليها أين بيتكم؟ وهل قريب أم بعيد؟ وغيره من الكلام) بل انقطع الكلام، وساق لنا القرآن القصة بوصول موسى إلى الأب {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} وبدأ موسى يبين للأب حاله ثم أرادت الفتيات أن يزول عنهن الضرورة من الخروج من بيوتهن، بأن يستأجر الأب موسى عليه السلام راعيًا للغنم بدلًا منهن، وقالتا لأبيهن ما رأين من حاله عليه السلام: إنه قوي أمين؛ وهاتان الصفتان مرغوبتان عند كل من له حاجة يريد من غيره أن يقضيها له، فرضي الأب بهاتين الصفتين من موسى عليه السلام، مع العلم أنه مطارد مشرد، ومن قبيلة مستضعفة في مصر من الفراعنة، ومع هذا كله كان العرض من الأب أن يستأجر موسى ثمان سنين أو يزيد سنتين من عنده، إن رأى ذلك، بأن يرعى له الغنم ويكون الأجر هو أن ينكحه إحدى ابنتيه {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} فرضي موسى بهذا العرض لحاجته أولًا كرجل مطارد يريد أن يستقر ويأمن، ثم لما رأى من ابنتي الرجل من الطهر والعفاف الذي يجعل كل مؤمن غيور يرضى بهن؛ لأنهن بحيائهن وعفتهن سيؤمننّه في عرضه إذا غاب عنهن، كما قال تعالى في صفات الصالحات {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} .

فنصيحتي إليكن يا غريبات هذا الزمان المؤمنات الصالحات:

أولًا: تقوى الله في السر والعلن والفعل والقول.

ثانيًا: القرار في بيوتكن إلا لحاجة، وخاصة من كان زوجها أسيرًا أو نافرًا لثغر من ثغور الإسلام، فإن بلاء الأسر أهون من بلاء العرض، وإن الطواغيت لن يستطيعوا بإذن الله أن يؤثروا على أحد من جند الله المجاهدين إلا عن طريق عرضه، فيجب على المرأة القرار في بيتها وأن تؤمن بربها وتتوكل عليه، كما قالت هاجر عندما ذهب عنها إبراهيم عليه السلام فقالت: [أالله الذي أمرك بهذا. قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت] فهو وحده سبحانه القادر على أن يفرج عن ذلك الزوج أو الابن أو الأب من أسره، أو يجمعه بأهله في ثغر من الثغور، أو يعيده إلى أهله نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة، فقضية المجاهدين ليس لها علاقة بأبواب الطواغيت أن تطرق، سواء بالذهاب إلى مكاتبهم، أو الاتصالات عليهم، بل قضيتهم هي قتال الطواغيت وعداوتهم من أجل لا إله إلا لله، فليس لها باب أن يُطرق سوى باب الله سبحانه وتعالى، بل إن الطواغيت يتلذذون ويرون نشوة النصر عندما تطرق أبوابهم من قبل نساء المجاهدين، فليس لخروج هؤلاء الأسود إلا الله، فالزَمن الثلث الأخير من الليل وأدبار السجود والصلوات، بدعاء الله رب العالمين، مَن بيده ملكوت السماوات والأرض، وابشرن فلن يخيب الله المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت