وعلى من يريد أن يقول بمثل قول العلامة أبي البركات ويَسْلَم له الاستدلال أن يُمثّل لتابعي قد سمع من جماعة من الصحابة وأخذ عنهم ومع هذا روى بتلك الصيغة (كانوا) وأراد بها شيوخه من التابعين فقط، وما لم يأت بأمثلة على هذا فلا يسلم له ذلك الاعتراض لأنه خلاف الأصل، مع أن عبارة أبي البركات لاتدل على أن التابعي إنما يعني بمثل تلك الصيغة شيوخه من التابعين فقط، وإنما مَنْ أدركهم بغض النظر عن صحبتهم أو تابعيتهم
ويتلخص مما سبق أن كلام الأئمة في كتب الأصول دل على أن تلك الصيغة تحتمل أمرين:
1 -أن يكون المقصود بقول التابعي: (كانوا) كلَّ الصحابة.
2 -أن يكون المقصود بعضهم ممن أدركهم التابعي نفسه.
والأقرب من حيث الأصل هو الثاني لأمور:
أ- أنه الأحوط.
ب- أنه الأصل في الرواية، فتقدم أن الأصل أن تحمل الرواية عمن شاهده الراوي وأدركه.
ج- أنه الأقرب إلى الذهن والله أعلم.
وبالتالي فأثر عطاء قد دل في أقل أحواله على أن الصحابة الذين أدركهم عطاء كانوا يعفون لحاهم، ولا يتعرضون لها بأخذ ويستحبون ذلك، فإذا كانوا في نسك استحبوا الأخذ منها، وهذا متفِق مع ما سبق عن جابر، إلا أن أثر جابر أعم.
وعطاء رحمه الله كان من أعلم أهل زمانه بالمناسك حجا وعمرة، وهذا مما يعطي أثره أهمية.
قال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه:
"ما أدركت أحدا أعلم بالحج من عطاء"
وقال أبو جعفر:
"ما بقي على ظهر الأرض أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء"
وقال ابن أبي ليلى:
"وكان عالما بالحج قد حج زيادة على سبعين حجة"
وقال إبراهيم بن عمر بن كيسان:
"أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحا يصيح:"لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي
رباح""
فيا سبحان الله أيتصور فيمن كان هذا حاله، وحج مع صحابة رسول الله مرارا وتكرارا أن
ينسب لعامة الصحابة أمرا باطلا مخالفا للشرع، لو كان الأخذ مخالفة؟
هذا لا يتصوره أحد.