فنرى هؤلاء لا يخالفون فهم السلف فيما اتفقت عليه كلمة أهل السنة في مسائل الاعتقاد ونحوها , لظهور فهم السلف لهم , ولا فيما اتفقت عليه كلمة أهل الحديث وفقهاء السنة ولكن بمجرد أن يشتهر شيء من النزاع بين المتأخرين من العلماء، نجدهم يغفلون عن ذلك الأصل وكأنهم لا يقولون به مطلقا، وما ذلك إلا لغفلتهم عن الباعث لالتزام ذاك الأصل الذي هو فهم النصوص بما يوافق فهم السلف من الصحابة والتابعين.
فالداعي لالتزام فهمهم قائم في كل مسائل الدين , لا فرق بين مسائل الاعتقاد وغيرها.
ومن عاش هذه المعاني فلا يمكن أن يغفل عنها , بل تجده في كل مسألة إنما ينطلق في بحثها
من خلال آثار الصحابة والتابعين أولا , فإذا وجد اتفاقا بينهم على قول لم يخرج عنه إلى غيره , وإذا رآهم اختلفوا اختار من أقوالهم أقربها إلى الأدلة والقواعد، والتمس أصوبها , هذا دأب أتباع الأثر.
أما أن يستظهرَ الواحد من الأدلة قولا فيتمسكَ به ويعرضَ عن آثارهم، ويتعلق بنفي الإجماع ويتكلف في نقضه , ويتكئ على احتمال وجود خلاف وغير ذلك، ويدعي الاعتصام بالسنة، فهذا في حقيقته إنما هو معتصم بفهمه , مصادم لفهم السلف المعترف بفضلهم , ولكن باسم التمسك بالسنة والأخذ بالنصوص.
أتظن يا هذا أن الصحابي الذي خالفتَه معرض عن النصوص، تاركٌ العملَ بها، لا يلتفت إليها ولا يعبأ بها؟!
فأنت تعي أن هذا الصحابي (ولنقل مثلا ابن عمر في هذه المسألة) أنت تعي أنه عالم بهذا النص (الأمر بالإعفاء) لأنه هو الراوي له، فهو مع أخذه من لحيته ما زاد عن القبضة في الحج والعمرة، إنما يعتقد في نفسه أنه آخذ بنصوص الإعفاء , معتصم بها , غير خارج عنها.
وأنت كذلك تزعم أنك متمسك بالأحاديث الواردة في ذلك.
فإذًا الخلاف بينكما إنما هو في الفهم، لا أنك معتصم متمسك، وهُو تارك معرض، فهذه هي الحقيقة وإن زينتها وزخرفتها، وحتى يتأكد لك هذا:
قاعدة بين قاعدتين: