فابن عمر هو راوي الحديث، وراوي الحديث أدرى بمرويّه من غيره، كما هو مقرر عند أهل العلم في قواعدهم، قال العلامة ابن عبد البر في الاستذكار (4/ 317) :
"وابن عمر روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"واعفوا اللحى"وهو أعلم بمعنى ما روى، فكان المعنى"
عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير والله أعلم"."
ولا ترِد هنا القاعدة الأخرى والتي تقول:
"العبرة برواية الراوي لا برأيه"
لأن هذه القاعدة محلها إذا خالف الراوي روايته مخالفة تامة، بحيث لا يمكن حمل قوله على أنه مفهوم من مفاهيم النص، ولا على أي صورة من صور التوفيق التي تتلاءم مع معنى الرواية المرفوعة (1) ، هذا هو محل القاعدة الثانية، فلا يُعمل بها إلا في هذه الحالة.
والأمر هنا في هذه المسألة على خلاف هذا، لأن النص الذي رواه ابن عمر وزعم ذلك القائل أنه متمسك به له معنى ظاهر لا يتعارض مع ما جاء عن ابن عمر من الأخذ , بأي صورة من صور التعارض.
فقوله - صلى الله عليه وسلم:"اعفوا اللحى"أمر بالإعفاء , والإعفاء لغة: هو الترك حتى الإكثار أو إلى حد الإكثار كما سبق، فقد تقدمت أقوال أئمة اللغة (2)
قال العلامة ابن عبد البر في الاستذكار:
"الإعفاء عندهم ترك الشعر لا يحلقه"ا. هـ
وقال في"البحر الرائق"من كتب الحنفية:
"قال أصحابنا الإعفاء تركها حتى تكث وتكثر"ا. هـ
فإن أخذ منها بعد إطالتها وإكثارها بحيث لا يؤثر في وفرتها وطولها، ولا يخرج بها عن حد
(1) وهذا ما سمعته من بعض أشرطة العلامة الألباني رحمه الله، وإلى هذا المعنى أشار في المعتمد (2/ 175) كما سيأتي نقله، ويشهد لصحته النظر السليم.
(2) ارجع لزاما إلى ما تقدم تحت عنوان: معنى الإعفاء.
الإكثار، فلا يكون بذلك مخالفا لهذا الإعفاء الواجب، فلا تعارض بين مطلق الأخذ ومطلق الإعفاء