قال العلامة الطيبي كما في شرح المشكاة (1/ 223) :
"هذا (أي الأخذ) لا ينافي قوله - صلى الله عليه وسلم -"أعفوا اللحى"... فالمراد بالإعفاء التوفير ... ، والأخذ من الأطراف قليلا لا يكون من القص في شيء، وعليه سائر شراح المصابيح زين العرب وغيره"ا. هـ
أي لا يكون من القص المحرم المؤدي إلى ترك الإعفاء.
وقال ابن الهمام في فتح القدير:
"يحمل الإعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها كما هو فعل مجوس الأعاجم ... فيقع بذلك الجمع بين الروايات"ا. هـ
وقال الحافظ في الفتح (10/ 36) :
"والذي يظهر أن ابن عمر ... كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها"
الصورة بإفراط شعر اللحية أو عرضه"ا. هـ"
فهذا كلام أهل العلم عن عدم التعارض بين مطلق الإعفاء ومطلق الأخذ.
بل صح في المرفوع ما يدل على هذا ويقطع النزاع، فقد تقدم عن جابر بن عبد الله أنه قال:
"كنا نعفي السبال [أي اللحى] إلا في حج أو عمرة"
فدل هذا الأثر المرفوع حكما، على أن الأخذ لا ينافي مطلق الإعفاء وإن نافى الإعفاء المطلق
فتبين بكل ما تقدم معنى الإعفاء المأمور به وأنه لا يتنافى مع الأخذ القليل، فمن ترك لحيته وأعفاها حتى طالت وكثرت فقد حقق الإعفاء الواجب وإن كان هناك أخذ.
والإكثار لا نعلم له حدا في اللغة
فهل مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإكثار أن تترك مطلقا ولا يؤخذ منها شيء، حتى وإن وصلت إلى
السرة؟
أم المراد توفيرها حتى تكون ظاهرة بحيث تعطي مظهرا متميزا فيكفي أن تكون بقدر القبضة؟
لم يأت شيء في اللغة، ولا في النصوص من الكتاب والسنة يبين حد الإكثار والتوفير(الذي
هو الإعفاء)، وإنما جاءت النصوص مطلقة، وجاء عن حَمَلة الوحي ونقَلَةِ الشرع تحديدٌ لأدنى الإكثار والتوفير، وهو القبضة.
فلِمَ صِرْتَ أيها القائل إلى فرض الخصومة بين الحديث والأثر، وزعمتَ المعارَضَة والمصادَمة بينهما؟