ولو تأملت أخي الكريم الاحتمالات التي قد تُضعِف هذا النوع من التخصيص، لعلمت أنها مع بُعدها وضعفها وأنها لا تصل إلى حد الاعتبار، فهي مع ذلك لا ترِد في مسألتنا هذه لثبوت التخصيص عن عامة الصحابة بما فيهم رواة العموم، وتأمل هذا فإنه جد مهم.
وإلى التخصيص بعمل الصحابة ذهب جماعة من الأئمة، ومنهم:
1 ـ مالك بن أنس كما في شرح التنقيح للقرافي ص (98)
2 ـ أبو حنيفة كما في التمهيد لأبي الخطاب (2/ 119) وغيره
3 -الشافعي كما في شرح التنقيح للقرافي ص (98) وأحكام الفصول ص (268)
4 -أحمد بن حنبل كما في العدة (2/ 579) والمسودة ص (127)
5 -أكثر الأحناف كما في بديع النظام ص (480)
6 ـ بعض الشافعية كما في العدة لأبي يعلى (2/ 580) والتمهيد لأبي الخطاب (2/ 119)
7 -أكثر الحنابلة كما في شرح اللمع (1/ 382) والقواعد والفوائد الأصولية (296)
8 -ابن حزم الأندلسي كما في شرح الكوكب المنبر (3/ 376)
وقد سبق عن شيخ الإسلام والشاطبي وغيرهما.
فعلى من نصب الخصومة بين الحديث والأثر، أن يراعي أصول أهل العلم وقواعدهم، فتخصيص أحاديث الإعفاء، وحَمْلُ معنى الترك والإكثار على حد القبضة هو الذي تشهد له أصول أهل العلم وقواعدهم.
وخاصة أن الإعفاء المطلق والإكثار المطلق لا يتعارض مع ما ورد عن السلف، فهو معمول به لديهم في غير الحج والعمرة، كما هو صريح أثر جابر وعطاء، فقد كان الصحابة يعفون لحاهم مطلقا إلا في حج أو عمرة.
فالآثار الواردة قد أعملت العموم (1) في غير الحج والعمرة، ولذلك كانت السنة أن تترك اللحى لا يتعرض لها بأخذ وإن جاوزت القبضة، إلا عند القيام بالنسك.
فلا تعارض بين المرفوع والموقوف، بل ما جاء عن جابر رضي الله عنه هو في حكم الرفع كما هو ظاهر من قوله:"كنا"وكذا ما صح عن ابن عباس من تفسير، فلا مجال للرد والله أعلم.