ولكن الشأن كل الشأن في مسألتنا هذه هو في تنزيل القاعدة، فهل جرى فعلا عمل السلف على الأخذ كلما جاوزت اللحية القبضة أم لا؟
هذا هو محل البحث , وعند النظر في الآثار الواردة عن السلف في المسألة نجد أن القول بجريان عمل السلف على ذلك من أبعد ما يكون، فكما هو ظاهر فإن إثبات مثل هذا الأمر لا يصار إليه من خلال ثبوت ذلك العمل عن صحابي واحد أو عن اثنين منهم، فعَمَل بعض السلف لا يعني عمل السلف عامة، وخاصة إذا ثبت أن بعضهم على خلافهم
ومسألتنا التي قصدتُ هي الأخذ من اللحية دائما كلما جاوزت القبضة، وليست متعلقة بأي أخذ.
وعليه فمن رأى جريان عمل السلف على ذلك (أي الأخذ كلما جاوزت القبضة) فيلزمه نقل هذا عن السلف , إما عن عامتهم , وإما عن طائفة منهم دون وجود مخالف لهم منهم وفي المقابل متى ثبت عن أحد من الصحابة أو عن جماعة من التابعين عدمُ الأخذ دائما كلما زادت عن القبضة، فإن هذا يعني نقض القول بجريان عمل السلف على ذلك.
وإذا علمت أن عامة الصحابة قد ثبت عنهم الإعفاء المطلق إلا في حج أو عمرة كما في الأثرين الآتيين، دون التقيد بالأخذ كلما جاوزت القبضة دائما، تبين لك جليا أن عمل السلف لم يجر على ذلك فقد صح كما تقدم عن جابر أنه قال:
"كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة"
وأيضا عن عطاء أنه قال:"كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة"
فدل كل من الأثرين على الآتي:
أ ـ أن حد الأخذ من حيث الوقت هو النسك فقط، ولا يحصل في غيره.
ب ـ أن الأخذ إنما يحصل في يوم النحر فقط، بل في لحظة معينة من لحظات ذلك اليوم، كما وضح هذا أثر ابن عباس، وأثر ابن عمر الوارد في النسك، ولا يتكرر