ج- أن مَن كان مِن الصحابة لا يستطيع النسك إلا مرة في العام، فإنه يترك لحيته ولا يأخذ منها عاما كاملا حتى تتكرر تلك اللحظات من العام المقبل , ومن كان ينسك في العامين مرة كذلك , فإنه يبقى لمدة عامين لا يأخذ شيئا، وهكذا، وبما أن اللحى تطول وتنمو والأمر في هذا يختلف من شخص إلى آخر , قوة وضعفا، فلا شك أنه كان من الصحابة من كانت لحيته تتجاوز القبضة ولا يأخذ منها , وتبقى هكذا لفترات طويلة حتى يمن الله عليه بحج أو عمرة , ومن لم يتيسر له الأمر بقي طويل اللحية إلى ما شاء الله.
فالأثران يدلان على أن عامة الصحابة لم يكونوا يأخذون من لحاهم كلما جاوزت القبضة وهذا كاف في إثبات أن عمل السلف لم يجر عليه كما نقل الموجبون.
وما أظن منصفا يفهم من ذينك الأثرين أن الصحابة المحكي عنهم الأخذ في النسك كانوا لا يتركون لحاهم تتجاوز القبضة، حتى في غير الحج، إذ هذا مناقض لظاهر الأثرين , أو يَفهم
أن الصحابة جميعا أكتعين أبتعين أبصعين كانوا ينسكون في كل سنة مرارا و تكرار، بحيث أن النسك لم يترك لأحد منهم مجالا تطول فيه لحيته عن القبضة لفترة.
وإذا بطل هذا تبين بما لا مجال للشك أن عمل السلف لم يجر على الأخذ مما زاد على القبضة
نعم يمكن أن يقال إن هذا جرى عليه عمل أبي هريرة رضي الله عنه وحده، دون غيره من الصحابة، وهو مخالف في هذا لما عليه عامتهم.
وأما ابن عمر فقد سبق أنه كان متقيدا بالنسك إلا في النادر، فلا يصح القول بأنه كان لا يترك لحيته تتجاوز القبضة، أو أنه كان مستمرا على ذلك في الحج وفي غير الحج على حد سواء.
بل صح عن علي أيضا في صفة لحيته ما يدل على أنه كان لا يأخذ من لحيته كلما جاوزت القبضة، وأن الغالب في لحيته مجاوزتها، فعن الشعبي قال:
"ما رأيت رجلا أعرض لحية من علي، قد ملأت ما بين منكبيه"