من الشخصيات التي لاقت اهتمامًا عظيمًا، وكُتب عنها كتابات كثيرة في العصر الحديث شاعرنا «محمد إقبال» فهو المناضل بالكلمة والرأي والجهد في سبيل إعلاء كلمة الله، وفي سبيل الدعوة الإسلامية، وهو صاحب أكبر مدرسة شعرية في الهند، يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: «لا أعرف شخصية ولا مدرسة فكرية في العصر الحديث تناولها الكتاب والمؤلفون والباحثون مثلما تناولوا هذا الشاعر العظيم» ، وجاء في مقال في مهرجان إقبال المئوي ـ الذي انعقد في مدينة (لاهور) وتحت إشراف حكومة باكستان: «إن عدد ما صدر عن إقبال من الكتب والرسائل في لغات العالم قد بلغ ألفين، ما بين كتاب ورسالة، هذا عدا ما نُشر عنه من بحوث ومقالات» .
في إقليم «البنجاب» بالهند، وُلِد «محمد إقبال» عام (1294 هـ-1877 م) ، الذي ينتمي إلى أسرة هندوكية من البراهمة في كشمير، وهي جماعة لها شأن كبير في الهند تعبد الأصنام وتقدس التماثيل، لكن الجد الأكبر لمحمد إقبال واسمه (بنديت) تنازل عن كل هذه المكانة، ودخل في دين الإسلام، في عهد السلطان زين العابدين بادشاه (1421 ـ 1473 م) ، وهاجر من كشمير إلى البنجاب ليصبح فردًا عاديًا لا يدَّعي الألوهية كما يفعل البراهمة!! ونجد إقبال نفسه يصف أصله فيقول: «إن جسدي زهرة في حبة كشمير، وقلبي من حرم الحجاز وأنشودتي من شيراز» . فجبَّ الإسلامُ ما قبله في فكر وتُراث محمد إقبال، وأنكر بروح المُؤمن الصادق المُوحد عقيدة أسلافِهِ الذين كانوا يعُّدُّون أنفسهم آلهةً كونهم من نسلِ البراهِمة وأنّ غيرهم من البشرِ عبيدًا لهم .. !!
نشأ إقبال في بيت طاهر لأبويين تقيين؛ فكانت أمه نموذجًا رائعًا للتقوى والورع والالتزام بتعاليم الإسلام، قال عنها يوم موتها: «عندما آتي إلى تراب مرقدك سوف أصيح: من ذا الذي يذكرني في الدعاء في منتصف الليل» ، أما والده «محمد نور الدين إقبال» فكان له علم واسع في الدين، زاهدًا، تدمع عيناه خوفًا كلما ذكرت الجنة والنار، وكلما سمع عن يوم الحساب.
كان هذا الوالد التقي هو المعلم الأول لمحمد إقبال، فقد حثَّه على قراءة القرآن وحفظه وتدبره منذ صغره، وكان يقول له كلما رآه يكثر من قراءة القرآن: «إن أردت أن تفقه القرآن فاقرأه كأنه أنزل عليك» . فأخذ إقبال منذ ذلك الحين يتدبر آيات القرآن الكريم، ويتفهم معانيه ويغوص في بحار علومه؛ حتى انطبع نور القرآن في قلبه، وفاض على لسانه، وأصبح دليله ومرشده في جميع خطوات حياته.