وهذا الربيع الشعري الممتد بظلاله وعبيره العاطر دعا الكثيرَ من الأقلام إلى غَرْسِ هذه الزهور في مزهرية عربية!
فسعتْ أقلامُ الكِبار إلى ترجمة مزامير إقبال الرائعة؛ من أمثال العلامة الأديب عبد الوهاب عزام، والذي احتمل عبء النهوض بهذه الأمانة الكبيرة، فكان ذا حظ وافر في ترجمة دواوين عدة لإقبال، ومنهم الشيخ الصاوي شعلان، ومنهم الشيخ العلامة أبو الحسن الندوي، رحمهم الله تعالى.
وتوالت الدراسات الناقِدَةُ والْمُعَلِّقةُ والباحِثَةُ من القارات السِّتِّ، عن إقبال وشِعره وفَنِّه وفِكْره، حتى زادت الدراسات والبحوث والتعليقات والمناقشات حول إقبال وشعره عن أَلْفَيْ بحث ودراسة ورسالة!
ومَنْ تأمّل شِعر إقبال وجد فيه روحا وثّابة تلمع في الحروف، مع أنها قصائد مترجمة، ولا بد أن يكون سَقَطَ دون جسر الترجمة معانٍ كثيرة، أو انتُقِصَتْ، أو حُوِّلتْ عن مسارها، أو صُرِفَتْ عن سياقها، إلا أن الشعر لم يزل بروحه الوهاجة، وجمره المتوقد، مقاومًا ما عساه يتناثر من رماد الترجمة؛ لأنه كان صُبَابَةَ رُوحٍ تعيش هذه المعاني في حَرَكةِ حياتها!
ولهذا قال شيخُ العربيةِ العلامةُ محمود محمد شاكر رحمه الله تعالى عن إقبال: وكان أعظم ما أدهشني رفضُ إقبال أن يدخل مسجد باريس، ومقالَتُه: «إن هذا المسجد ثمنٌ رَخِيصٌ لتدمير دمشق!»
فلولا أن الرجل- والكلامُ لشاكر-كان يعيش في حقيقةٍ صريحة، وفي ذكرٍ دائِمٍ لا ينقطع لما نزل بنا وطَمّ، لما خطر له هذا الخاطر! وكم من غافلٍ ساهٍ مِنَّا ومن قومنا يعرض له أن يحيا تاريخ نفسه، وتاريخ دينه، بمثل هذه الكلمة؛ ثم لا تراه إلا حيث يكره الله من الذل والضَّعَة والعبودية، والفتنة بما زَيَّن له أعداءُ الله وأعداءُ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا كلامُ عليمٍ باللفظ وما يَدُلّ عليه، وما يختزن في أحنائه من أطياف النفس الناطقةِ به.
عن آراء واتجاهات إقبال الفكرية يقول الدكتور محمد رجب البيومي أستاذ الأدب والنقد وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: لقد كانت إقامته في أوروبا ذات أثر قوي في اتجاهه، لا لأنه اقتنع بما يجري بها من تيارات منحرفة، بل لأنه أحس في أعماقه بأن ما تدعو إليه من القومية هو الذي فتن أبناء المسلمين ممن يتعلمون بأوروبا، وصرفهم عن عالمية الإسلام وإنسانيته، إذ ان الوطنية الجغرافية هي التي تنخر في الجسم الإسلامي فتجعله أجزاء متخاذلة لا