ينهض برسالة، ولابد من فكرة إسلامية شاملة تجعل بلاد الإسلام دارا واحدة ومن المؤسف أن معارضيه من أبناء الدول الإسلامية لم يرتفعوا إلى مستواه لأنهم ذهبوا إلى أوروبا من دون أن يفهموا شيئا عن مبادئ الإسلام وقد سحرهم بريق التقدم الصناعي فظنوا أن أوروبا بهذا التقدم هي المنار الذي يرسل الشعاع وهو ظن بدده إقبال في قصائد ثائرة مثل قصيدته في رثاء صقلية المسلمة حين مر بها، وهتافاته بمجد الحجاز، ورسالة مكة وصرخة الألم أمام قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين وقف أمامه يبكي حاضر العالم الإسلامي متحسرا على ذهاب ماضيه.
ومن أحسن ما قاله في هذا الصدد قصيدته الشهيرة «منارة الساري» التي تحدث فيها الشاعر بلسان الخضر عن مشاكل السياسة الأوروبية وفظائعها الاستعمارية وحذر المسلمين من الوقوع في شراكها وقد ترجم الأستاذ مسعود الندوي بعض أبياتها إلى العربية.
وكانت لشاعرنا الكبير محمد إقبال -كما يقول الدكتور البيومي- فلسفة رائعة أطلق عليها النقاد «فلسفة القوة» وتبرز هذه الفلسفة من مجموعة من الحكم العالية التي تبناها إقبال وتجعل ذات المسلم مصدر قوته، إذا فهم أسرارها، وبهذا الفهم يخضع الطبيعة لمشيئته، إذ لا يكرم في الدنيا من لا يكرم نفسه، ويرى العالمين مبلغ إبائه وسموه، ويقول إقبال ما ترجمته: «اتخذ قوتك الذاتية، واجعلها في مكانة من العلو. وإن ابتغاء مرضاة الله لعبده لن يكون إلا حين يكون قويا غير مستكين» .
ثم يرجع إلى أيام العزة في عصر المجاهدين الأولين فيقول: «كلما حانت الصلاة أثناء صليل السيوف، ولت الأمة الحجازية وجهها شطر القبلة، ووقف محمود (السلطان الغزنوي) جوار خادمه في صف واحد، فلم يبق هناك عبد ولا مولى، أصبحوا جميعا لله عبيدا، ولما وصلوا إلى حضرتك صاروا كتلة واحدة» .
لقد علم إقبال أن الوظيفة الحكومية التي سعى الإنجليز إلى إهدائها إليه بمرتب ضخم، وسيلة إلى تقييد دعوته إلى الأخوة الإسلامية فرفضها في إباء، وآثر أن يكون مرشدا للناس من دون مقابل، كما ألح المسلمون عليه أن يرشح نفسه في الانتخابات البرلمانية، فقال: لا، أنا منتخب عن الشعب فيما أصدر من مقالات، هذه المقالات التي ناصرت ليبيا وفلسطين والأفغان وسوريا ومصر وكل بلد إسلامي كان يرزح تحت الاحتلال، وكان صوته أقوى الأصوات الداعية لإنشاء الباكستان مسلمة مستقلة، واعترف له بذلك كل من باشر جهوده من الزعماء، وفي طليعتهم القائد الباسل «محمد علي جناح» .