الأحوال انبرى المسلم المؤمن محمد إقبال للدفاع عن حظيرة الإسلام ورد كيد القاديانية في نحورها. وتطهير الدين المبين من أرجاسها وأدناسها. فنشر تصريحات عديدة في الصحف، بين فيها موقف الإسلام بإزاء هذه النحلة المارقة التي تؤمن بنبوة الغلام القادياني الكذاب، وكشف عن عورات القاديانيين، وأماط اللثام عن خدماتهم للاستعمار البريطاني وتمسكهم بأذياله» [1]
إذا نظرنا في تفسير إقبال للنبوة نظرة دقيقة، وجدنا أنه أخطأ في عديد من الأمور منها:
أولا: أن النبوة ليست ضربا من الوعي الصوفي، كما توهم إقبال، فإنه يقول في تعريف النبوة: «إنها ضرب من الوعي الصوفي ينزع ما حصله النبي في مقام الشهود إلى مجاوزة حدوده وتلمس كل سانحة لتوجيه قوى الحياة الجمعية توجيها جديدا، وتشكيلها في صورة مستحدثة» [2]
وهذا القول منه ليس بصواب فإن الله تعالى يختار النبي من عباده ويصطفيه من بينهم حسب إرادته وحكمته فإنه تعالى أعلم حيث يجعل رسالته. فالنبوة موهبة ومكرمة وتكليف من الله تعالى يهبها لمن يشاء من عباده ويحملها من يختاره منهم، على خلاف أمر الوعي الصوفي فإنه يحصل عليه بممارسة الرياضة الصوفية كل من يجتهد في الحصول عليه. فالنبوة مرتبة لا يمكن أن يتشرف بها أحد من اختياره وكسبه ورياضته، والوعي الصوفي يمكن الحصول عليه بالكسب والاجتهاد، وإذا كانت الولاية بالمصطلح الصوفي، ليس من الضروري الحصول عليها بالكسب والاجتهاد، مع أنها أدني رتبة من النبوة، فليس كل صوفي وليا، كما أن ليس كل ولي صوفيا، فكيف النبوة؟ ويوهم تفسير إقبال للنبوة المبين في «تجديد الفكر الديني» أنه يمكن التشرف بها بالكسب والاجتهاد، وذلك خطأ واضح، فإن الأنبياء قد وهبوا النبوة مفاجأة، مثل قصة سيدنا موسى عليه السلام، فإنه لم يكن على معرفة أن الله تعالى قد اختاره للنبوة حتى لحظة أن رأى نارا في طور سيناء، وكلمه الله تعالى وأخبره باختياره نبيا، وكذلك سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على معرفة من أنه سوق يُختار للنبوة حتى إذا نزل عليه الروح الأمين في جبل حراء، وألقى إليه رسالة الله تعالى، رجع إلى البيت وهو خائف، يقول: زملوني ودثروني. فلو كان الوحي نوعا من وعي يتحصل بقطع المدارج الصوفية وسلوك المناهج الروحية المعتادة لدى الصوفية، لما حدثت المفاجأة عند نزول الوحي في أول الأمر، على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وسيدنا موسى عليه
(1) «تاريخ الدعوة الإسلامية بالهند» لمسعود عالم الندوي ص 219 - 220 بتصرف
(2) «تجديد الفكر الديني» ص 143