أما المثال الثاني للنزعة العصرانية عند إقبال فتظهر واضحة في الفصل الذي كتبه عن الاجتهاد وسماه «مبدأ الحركة في الإسلام» ، ويقصد أن المبدأ الذي يواجه به الإسلام التغير والحركة هو الاجتهاد. ويعرف إقبال الاجتهاد ثم يقول: «وأصل الاجتهاد على ما أعتقد هو قول القرآن في آية مشهورة: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] وهذا الاستدلال يكشف أن إقبال، لم يكن - آنذاك على الأقل- عميق المعرفة بالثقافة الإسلامية» [1]
ويطرح إقبال في ذلك الفصل هذا السؤال الذي هو شغل العصرانية الشاغل: « ... وأنتقل الآن إلى النظر فيما إذا كان تاريخ الشريعة الإسلامية وبناؤها يتبين فيهما إمكان تفسير الشريعة ومبادئها تفسيرا جديدا، وبعبارة أخرى الموضوع الذي أود أن أثير البحث فيه، هل الشريعة الإسلامية قابلة للتطور؟»
وعنده أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى جهد عقلي عظيم، ويرى أن العالم الإسلامي عليه أن يواجه هذا السؤال بالروح التي كان يواجه بها عمر مشكلات الدين ويصفه بأنه أول عقل ممحص مستقل في الإسلام ولا ريب عنده أن التعمق في دراسة كتب الفقه والتشريع الهائلة العدد لابد من أن تجعل الناقد بمنجاة من الرأي السطحي الذي يقول بأن شريعة الإسلام شريعة جامدة غير قابلة للتطور.
ثم يناقش تجديد أصول الفقه الإسلامي من أجل أن يتبخر الجمود المزعوم ويبدو للعيان إمكان حدوث تطور جديد.
إنه يرى أن القرآن هو الأصل للشريعة الإسلامية، وليس من شك في أن القرآن يقرر بعض المبادئ والأحكام العامة في التشريع، ولكن القرآن ليس مدون في قانون، فغرضه الأساسي هو أن يبعث في نفس الإنسان أسمى مراتب الشعور بما بينه وبين الله وبينه وبين الكون من صلات. على أن الأمر الجدير بالملاحظة في هذا الصدد هو أن القرآن يعتبر الكون متغيرا، ومن الواضح الجلي أن القرآن بما له من هذه النظرة لا يمكن أن يكون خصما للتطور، وأن المبادئ التشريعية في القرآن رحبة واسعة وأبعد ما تكون عن سد الطريق على التفكير الإنساني والنشاط التشريعي، وأن الرعيل الأول من الفقهاء اعتمدوا على هذه المبادئ واستنبطوا عددا من النظم
(1) انظر «الفكر الإسلامي الحديث» لمحمد البهي ص 483