الصفحة 40 من 46

التشريعية، على أن مذاهبهم مع إحاطتها وشمولها ليست إلا تفسيرات فردية، وهم لم يزعموا أبدا أن تفسيرهم للأمور واستنباطهم للأحكام هو آخر كلمة تقال فيها، وبما أن الأحوال قد تغيرت والعالم الإسلامي يتأثر اليوم بما يواجهه من قوى جديدة، فالرأي عنده «أن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام من تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرا جديدا، على ضوء تجاربهم وعلى هدي ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ» .

ثم ينتقل إلى أحاديث الرسول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - التي هي الأصل الثاني العظيم للشريعة، وينقل رأي المستشرق (جولد زهير) بأن إخضاع الأحاديث للفحص الدقيق على ضوء القوانين المستحدثة في النقد التاريخي، يظهر أنها في جملتها لا يوثق بصحتها.

ثم يتناول بالبحث مسألة نعتبرها هامة، وهي أن الفرق بين الأحاديث التي تتضمن أحكاما تشريعية والأحاديث التي ليس لها طابع تشريعي ... وحتى السنة التشريعية يرى أن يبحث عن مدى ما تضمنته من عادات كانت للعرب قبل الإسلام، فتركها الإسلام دون تغيير، وأخرى أدخل فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - تعديلا. وهل قبول النبي لها تصريحا أو ضمنا قد أريد بها أن تكون ذات صفة عامة في تطبيقها.

ويستشهد بأن أبا حنيفة لم يكن أحيانا يعتمد على هذه الأحاديث، وذلك في نظره موقف جد سليم، ثم يقول: «إذا رأى أصحاب النزعة الحرة في التفكير العصري، أنه من الأسلم ألا تتخذ هذه الأحاديث من غير أدنى تفريق بينها، أصلا من أصول التشريع، فإنهم يكونون بذلك قد نهجوا منهج رجل من أعظم رجال التشريع بين أهل السنة» .

والإجماع عند إقبال الذي هو الأصل الثالث من أصول التشريع الإسلامي قد يكون من أهم الأفكار التشريعية في الإسلام، وهو يرى ضرورة انتقال حق الاجتهاد من الأفراد إلى هيئة تشريعية إسلامية، لأن ذلك هو الشكل الوحيد الذي يمكن أن يتخذه الإجماع في الأزمنة الحديثة، لأن هذا الانتقال يكفل للمناقشات التشريعية الإفادة من آراء قوم من غير رجال الدين ممن يكون لهم بصر نافذ في شئون الحياة.

وهو يتوقع لمثل هذه الهيئة التشريعية أن تخطئ خطأ فاحشا في تفسير الشريعة، لأنها قد تتألف من رجال ليست لهم دراية بوقائع التشريع الإسلامي، ولكنه يستبعد أن يكون الحل تأليف لجنة دينية مستقلة، تكون لها سلطة الرقابة ويرى أن العلاج الوحيد الناجح للتقليل من وقوع الأخطاء في التأويل، هو إصلاح نظام التعليم القانوني وتوسيع مداه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت