وأنهم مفترون. وهكذا نشأ - على الرغم من معارضة علماء الدين في الإسلام معارضة صريحة - القول بالقدر [1]
يبدو أن إقبالا قد حاول في تفسيره للقضاء والقدر أن يوفق بين طرفي الجبر والاختيار. فبكونه مسلما مؤمنا بالله تعالى وبقدره، لم يستطع أن ينكر قدر الله وقضاءه إطلاقا، ولكنه حين رأى أن القول بقدر الله والاتكاء عليه، قد دفع المسلمين خلال القرون الأخيرة، إلى ترك العمل والكفاح في حياتهم، وإلى الفشل في مقاومة التحديات التي واجهت العالم الإسلامي منذ قرون عديدة، ورأى كيف أن المستعمرين المستبدين استغلوا هذه النزعة وكيف انتهزوا هذه الفرصة لنهب الشعوب المتمسكة بهذا المبدأ، حاول أن يفسر عقيدة القضاء والقدر تفسيرا يستطيع أن يوفق به بين الاعتقاد بقضاء الله تعالى، وبين كون الإنسان حرا مختارا في فكره وعمله، فرأى أن عملية تقدير الله تعالى لا تقوم بالأشياء والنفوس من خارجها، بل تأتي من داخل إمكانياتها، ولكنه في تفسيره لذلك قد يندفع أحيانا إلى القول: بكون واجب الوجود تعالى موجبا في إرادته وأعماله، كما يزعم الفلاسفة، وأحيانا إلى القول: بعدم وجود قضاء سابق من عند الله تعالى، قال:
«لا شك في أن ظهور ذوات لها القدرة على الفعل التلقائي، ومن ثم يكون فعلها غير متنبأ به، يتضمن تحديدا لحرية الذات المحيطة بكل شيء.
ولكن هذا التحديد لم يفرض على الذات الأولى من خارج، بل نشأ عن حريتها الخالقة التي شاءت أن تصطفي بعض الذوات المتناهية لتقاسمه في الحياة والقوة والاختيار» [2]
والواقع أن إقبالا ينزع إلى القول بقدر الإنسان وكونه حرا مختارا في سلوكه وتصرفه، كما ذهب إليه المعتزلة، فهو معتزلي النزعة في هذا الأمر.
وقد أخطأ في رأيه أن القول بقدر الله تعالى بدأ في الإسلام أيام بني أمية، فإن ذلك إنكار لبعض نصوص الكتاب والسنة الصريحة. ولعل الصحيح أن استغلال هذا المبدأ بدأ في تلك الأيام. وكذلك أخطأ إقبال في فهم أن بعض الذوات المتناهية مشاركة للذات اللامتناهية، في
(1) «تجديد الفكر الديني في الإسلام» لإقبال ص 125 - 127 «محمد إقبال مفكرا إسلاميا» لمحمد الكتاني ص 84 - 83
(2) «تجديد الفكر الديني في الإسلام» لإقبال ص 94