الخلق والاختيار، وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14] فالخالقون في رأيه أكثر من واحد، والله تعالى أحسنهم. ويرجع هذا الخطأ إلى عدم معرفته أسلوب اللغة العربية جيدا وعدم إمعان الدراسة في ضوء الآيات الأخرى مثل قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] فالآية صريحة في حصر الخلق والأمر على الله تعالى.
وقوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر:3]
وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} [فاطر:40] ... وأمثالها من الآيات
ولم ينكر إقبال مبدأ القضاء والقدر على الإطلاق فإنه قد أوضح في العديد من المواضع أن الذات نفسها بين اختيار وجبر، ولكنها إذا قاربت الذات المطلقة، نالت الحرية الكاملة. والحياة جهاد لتحصين الاختيار ومقصدا لذات أن تبلغ الاختيار بجهادها، فإذا قاربت الذات المطلقة نالت الحرية الكاملة [1]
ويرى إقبال كذلك أن العبد ينال الحرية والاختيار، متقربا إلى الله تعالى بأداء الصلاة وامتثال أوامره تعالى. وقد أريد بتعيين مواقيت الصلاة في كل يوم تخليص النفس من آثار الآلية الموجودة في النوم والعمل. فالصلاة في الإسلام خلاص للنفس ينقذها من الآلية إلى الحرية [2]
وأوضح إقبال وجهة نظره تجاه مسألة القضاء والقدر والاختيار والجبر ضمن شعره في عدة مواضع. منها ما قاله على لسان الحكيم المريخي ضمن ديوان «جاويد نامه» حيث يتساءل: «زنده رود» (إقبال) الحكيم المريخي عن أن السائل والمحروم بقضاء الله وقدره، والحاكم والمحكوم بقضاء الله وقدره. وليس من خالق للقدر سوى الله تعالى، فلا ينفع تدبير للخلاص من القدر ولا يغني منه حذر. فيرد الحكيم المريخي عليه بقوله:
«إنك مخطئ تماما في فهم القدر. إن عليك لا أن ترضى فحسب بقدر الله، بل تطلب المزيد منه. فادع الله أن يحكم بقدر آخر إذا رمى قلبك بفعل قدر واحد، فإنك إذا طلبت قدرا جديدا، كان ذلك أمرا مشروعا تماما، إذ لا نهاية لأقدار الله تعالى. حقا لقد فات أهل الأرض الشيء الكثير، لأنهم لم يعرفوا المعنى الدقيق للقدر، فأضاعوا بذلك قيمتهم الذاتية (نقود الذات) التي يمكنهم بها أن يتعاملوا مع الكون من ناحية ومع الخالق من ناحية أخرى. فالقدر لا يعني أن
(1) «محمد إقبال مفكرا إسلاميا» لمحمد الكتاني ص 85
(2) «تجديد الفكر الديني في الإسلام» لإقبال ص 94