فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 65

إن من العجب حقا أن يصوم أحدنا عن الحلال، ويفطر على الحرام، والأعجب من ذلك أن نتظاهر بنزاهتنا عن أبواب الغيبة فندخلها من أسوارها، فالغيبة قد تكون بالإشارة والغمز، والكتابة والحركة والتمثيل، بل هو أشد غيبة كأن يمشي المغتاب مثل مشية أخيه يعيبه، فرسولنا - صلى الله عليه وسلم - حين حكت له عائشة - رضى الله عنه - إنسانا قال: (( ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا ... وكذا ) )رواه أبو داود. بل من أعجب الغيبة: أن يذكر عنده أحد الناس، فيقول: الحمد لله الذي لم يبتلنا بذنبه، نسأل الله أن يعصمنا من مثل عمله، وإنما قصد أن يعيبه بصيغة الدعاء، وربما قدم بمدحه ثم يشير إلى تقصيره، فيكون مغتابا، ومرائيا، ومزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش. أو أن يصغي إلى الغيبة على سبيل التعجب فيزيد من نشاط المغتاب.

أخي الصائم .. ليكن صومنا فرصة لنا لنعالج أنفسنا من هذا الداء، فننكرها على الآخرين باللسان أو بالقلب عند عدم القدرة، حتى لا نقع في الإثم العظيم.

وليضع أحدنا نفسه موضع رجل جعله أهل مجلس موقع تندرهم وضحكهم، فهل يطيق ذلك، ألا تكره نفوسنا أن نسمع كلمة قيلت فينا تعيبنا، سواء أكانت حقا أم باطلا؟ فكذلك الناس ـ أخي الصائم القائم ـ لا يرضونه لأنفسهم ..

وأخيرا هاك هذه الحادثة القصيرة قبل أن أودعك، روي عن الحسن أن رجلا قال له: إن فلانا قد اغتابك، فبعث إليه رطبا على طبق، وقال: قد بلغني أنك أهديت إلي من حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام.

الغيبة ـ يا أُخيَّ ـ نار فلا تقربها من حسناتك، لاسيما وأنت تظمئ نهارك، وتحيي ليلك، وترخص مالك؛ لتثقل بها ميزانك ..

وإلى المصارحة السادسة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت