فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 65

المصارحة الخامسة والعشرون:(بوح إلى زوج شرود)

أخي الصائم ..

أرجو أن تدعني أن أصارحَك بحديث ظل يعتلج في صدري أكثر من سنتين أو ثلاث، وكنت أؤجل الحديث عنه، حتى عزمت اليوم على البوح.

إنه ليس بوحي أنا بل بوح زوجتك وأطفالك، حديث كل فرد منهم إذا خلا بنفسه، ونجيهم إذا تجالسوا، إنهم يحسون بأنهم وقعوا بين فكي كماشة، ترفعت أخلاقهم عن غيبة الناس فكيف بأبيهم، وأحبوك فكرهوا كل كلمة تخدش شخصيتك في نفوسهم، وهابوك فتيبست الكلمات على أطراف ألسنتهم، فجئت أنوب عنهم، فهل ستهبني بعض وقتك؟

إنهم يقولون إنك لا تقصر معهم في مطعم ولا ملبس، أسكنتهم ما يليق بمثلهم، وحرصت على تسجيلهم في التعليم كغيرهم، ولكنهم لا يزالون يبحثون عنك في البيت منذ أمد، فلا يجدونك إلا لماما، فأنت لا تسألهم عن صحتهم، ولا تعرف أصدقاءهم، وتجهل مستواهم في دراستهم، فقدوا فيك الأنس والحنان الذي لا يظنون أن أحدا من الناس يمكنه أن يعوضهم عنه مثلك. وحين دخل شهر رمضان المبارك، أملوا أن يحظوا بمجالستك فخاب ظنهم، فلولا جلسة الإفطار السريعة، والتي يعقبها سكوت متواصل لمشاهدة التلفاز لما رأوك، وهي جلسة ليست محسوبة لك عندهم؛ لأنهم يعلمون أن جلوسك ليس لهم.

لقد كادت أعصابي تتمزق حين سمعت أحدهم، بعد أن رأى في التلفاز أبا يجلس مع أولاده يحكي لهم قصة، سمعته يقول لأمه: لماذا كل الأولاد يجلس معهم أبوهم إلا نحن.

بل لقد ذرفت عيني حين قرأت حادثة تقول: إن أحد الأبناء وقف على باب المنزل ينتظر والده، وحينما عاد بادره بالسؤال: والدي كم تعطيك المؤسسة على عملك في اليوم الواحد، فانتهره الأب وعبس في وجهه، ووبخه على مثل هذا السؤال الفضولي، فانكفأ الطفل على نفسه يبكي، وانسحب ذليلا إلى غرفته.

وبعد أن وعى الأب لخطأه، جلس إلى ولده وقال له: لماذا يا ولدي بادرتني بهذا السؤال قبل أن أرتاح من تعبي، وأنا للتوِّ قد حضرت، ولكن قل لي لماذا تسأل هذا السؤال، فقال له: أجبني أولا، فقال له: مائة ريال، فأطرق الطفل ثم قال: هل يمكن أن تقرضني خمسين ريالا، فقال الأب ولماذا؟ فأجاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت