فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 65

المصارحة الرابعة:(رمضان والضيافة)

أخي .. رمضان شهر كريم، ومن شأنه أنه يضفي على صوامه بجوه الروحاني الشفاف سماته الجميلة الجليلة، ومنها صفة إكرام الضيف، وهي عادة أصيلة من عادات مجتمعنا الطيب، تتوافق مع روح الإسلام الذي جعل الضيافة حقا للضيف على المضيف، ففي الحديث الصحيح: (( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ) ).

إن إكرام الضيوف من مكارم الأخلاق التي يدعو لها دين جاء ليعزز شأنها، وينشرها في البشرية؛ ويوثق علائقها، فأي غربة ستبقى للغريب حين يشعر وهو في طريقه إلى هذه البلاد أن له بيوتا سوف يأوي إليها وكأنها ملك له، وأن له أهلا سوف يأنس بهم وكأنهم أهله، فيشعر حينئذ بالأمن والاطمئنان.

وازدهت صور الكرم العربي حين جاء رسول الإسلام والأخلاق، فكان أجود الناس بأبي هو وأمي، ولا سيما في رمضان، فما عرف عنه أن رد سائلا، ولا عبس في وجه ضيف، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وإذا أعياه المال والطعام ولم يجد منهما شيئا، التفت إلى أصحابه يطلب منهم أن يستضيفوا ضيفه، حتى رسم الصحابة بكرمهم لوحات إنسانية كريمة، تتضاءل أمامها كثير من لوحات الكرم الحاتمي، فماذا بعد أن يؤثر المرء ضيفه على نفسه وعلى أطفاله حتى يبيتوا جائعين ليشبع ضيفهم، بل يوهموه أنهم يأكلون معه فيطفئوا السراج حتى لا يكتشف هذا النبل والكرم العظيم.

أخي الصائم .. إن مما ينبغي أن يستقر في نفوس المؤمنين أن علاقة المضيف بضيفه هي علاقة عبادة، ولاسيما حينما يكون تفطير صائم، أو تسحيره، فليست استضافته تطبيقا لعرف من الأعراف ولا جريا لعادة اجتماعية سائدة، وإنما هي عبادة من العبادات العظيمة، يؤديها ليؤجر عليها. ولذلك ينبغي أن يرعى فيها حقوق الله تعالى، وأن يجتهد في إكرام ضيفه قدر طاقته، ويتجمل معه، حسب استطاعته، فلا داعي أن يستدين ويرهق نفسه وأولاده من أجل أن يظهر أمام الضيف بغير حقيقته، أو من أجل ألا يعاب من عشيرته، فإن مثل هذا البلاء قد استشرى، وإن جريرة الديون على المعسرين أعظم خطرا من حديث الناس الوقتي الذي يذهب مع الزمن، وعلى الضيف أن يعذر صاحبه، وألا يحمله أكثر من طاقته، فلا يحقرن كل منهما شيئا مهما قل، ولو كان مذقة لبن، أو كأس عصير، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها:

إذا الضيف جاءك فابسم له ... وقرب إليه وشيك القرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت