أخي الصائم ..
ما أجمل ليالي رمضان، وما أندى أحاديثها، إذا تجالس الأحباب، ونثروا بينهم ورود الود، وتهادوا رياحين الكلام، ينتقون أطايبه كما ينتقى أطايب التمر كما يقول الفاروق، صفت أرواحهم بالصيام، وطهرت ألسنتهم بالذكر والسلام، واغتسلت جوارحهم بطول القيام، تلاقوا كما تتلاقى الغصون في موسم الربيع، ليس بينهم صخاب ولا سباب، ولا تشوى بينهم أعراض الخلائق، بل تتجاذبهم مشاعر الأشقاء، فينصح بعضهم بعضا، ويدل أحدهم أخاه على ما يصلح آخرته ودنياه، فإذا بالمنافع تجنى كما تجنى الثمرات، وإذا المحبة تطفح على الوجوه بالضحكات والبسمات.
هذه هي الصورة المثلى التي يجب أن تكون عليها مجالسنا في كل حين، ولاسيما في رمضان شهر الطهارة من فحش القول، وآفات اللسان.
ولكن هل هذا واقع كل الناس؟
لعل الجواب سيكون: لا، وإنما هو حال ثلة منهم، رأوا أن من تمام صيامهم عن المفطرات، الصوم عن أعراض الناس والتفكه بها، منصتين إلى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) )رواه البخاري.
ومن أشد الزور في القول نقيصة الغيبة، التي لم تدع ـ إلا ما رحم ربي ـ مجلسا إلا دنسته، ولا لسانا إلا زلت به، ولا طالحا ولا صالحا إلا راودته، فلم يسلم إلا قليل.
الغيبة ذلك الوحش الضاري، والعدو الصائل، ينقض على الحسنات فينهشها، وعلى اللحوم البشرية فيأكلها، وعلى المجتمعات الإسلامية فيفرقها.
ألا ترى ـ أخي الصائم ـ كيف تساهل كثيرون في أمرها، حتى أصبحت كأنها عادة اجتماعية متعارف عليها لا تكاد تنكر، فبينما كان الصحابة - رضى الله عنه - يتلاقون بالبشر، ويحفظون أعراض بعضهم عند الغيبة، ويرون ذلك أفضل الأعمال، ويرون خلافه من عادة المنافقين، فقد انتشر خلافُ ذلك اليوم، فها نحن أولاء نرى كيف يلقى أهل المجلس زائرهم بالترحاب، ويأخذون معه أطراف الأحاديث التي تفوح بالمجاملات، وما إن يودعهم حتى تبدأ وجبتهم الدسمة بلحمه، متناسين مثل قول الله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} .