فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 65

المصارحة الثامنة:(معا .. ضد التسول)

أخي الصائم ..

إن صيانة المجتمع مما يعكر صفاء ينابيعه مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن، فاسمح لي أن أناقش معك اليوم دوري ودورك في القضاء على ظاهرة خطيرة، تنمو أشواكها في رمضان أكثر من غيره، فتشوه صفاء روحانيته الصافية، إنها ظاهرة التسول.

فبينما أنت تسبح في عالم الصفاء، في بيت من بيوت الله، تتلذذ بالصلاة والمناجاة مع رب العزة والجلال، قد خشعت الأصوات، وانسكبت العبرات، ورقت القلوب بسماع كلام علام الغيوب، إذا برجل يحمل طفلا، أو عكازا، يشق الصفوف ليقف أمام المصلين، صائحا بأعلى صوته، يتصنع البكاء والمسكنة، ويهتف بالمصلين أن يعينوه على بلواه، ويسترسل في شرح حال غير موثقة، فيقطع بذلك أسباب الخشوع، ويصرف القلوب عن الذكر والتسبيح، ثم يجلس ليتلقى الأموال التي ربما كانت عليه حراما؛ لكونه كذابا غير مستحق. وللأسف الشديد تجد التعاطف معه كبيرا، مما يشجعه على الاستمرار.

إننا ـ أخي الصائم ـ قد نتساهل في مثل هذه القضية متناسين أن لها أضرارا كبيرة على الفرد وعلى المجتمع، فالتسول من الأبواب التي تعطل اليد العاملة القادرة على الإنتاج والكسب، حين يجد المتسول أنه يكسب من مهمته هذه أكثر بكثير من لو أنه عمل بنفسه، فيمتهن هذه المهنة الذليلة، ويتعود على دلق ماء وجهه أمام الناس، حتى يفقد إحساسه بوخزات نظرات الآخرين وانتقادهم، ويظل يتسكع في كل طريق، منتهكا حق إنسانيته وحق كرامته، وحق مجتمعه، ومن الطبيعي بعد ذلك أن تراه لا يأبه بأن يستمر في هذه المهنة حتى بعد أن يغنيه الله. وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس ) )، ولذلك كان الجزاء من جنس العمل إذ (( يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم ) )كما في الصحيحين.

إن من حق الفقير الذي يعمل ولا يكفيه مردود عمله المالي، أو إذا كان عاجزا عن العمل بسبب مرض أو سجن أو نحوهما أن يطلب من إخوانه المسلمين ما يسد حاجته، ولكن الأمور قد أخذت أنظمتها، فأصبحت هناك دائرة للضمان الاجتماعي، ومراكز لجمعيات البر، فعلى المحتاج أن يقصدها، ويأخذ حقه منها مرفوع الرأس غير ذليل. وهي مسؤولة عن إيصال الصدقة والزكاة الشرعية إلى مستحقيها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت